صديقي جمال.. العنوان مهما كان جيدا ومهما كان تمويها لن ينقذ أبدا عملا سيئا

محمد بوزكو

صديقي جمال، صدقني، كنت قد أقفلت باب نقاشٍ محصورٍ في عنوان الفيلم وظل يدور في دائرة مفرغة… نقاش حمل في طياته كثيرا من أحكام قيمة… وعددا ليس يسير من الأحكام المطلقة تنفي الحق في الاختلاف… وغير قليل من القمع المبطن يلغي الحق في الحرية… وكأن تناول حدث تاريخي ما من زاوية معالجة ما، أمرا خطيرا بل ومقدسا… ثم إني أقفلت هذا الموضوع أيضا لأنه وكما كتبتَ… كل من تدخل في هذا الباب قد قال رأيه، وأنا بدوري قلت وجهة نظري وشرحتها بما فيه الكفاية.

إنني كنت أطمح لقراءة مقالة نقدية تتناول القيمة الفنية والتقنية للفيلم حتى أستفيد أكثر وأقف على مكامن الضعف في هذا العمل أو على جوانب القوة فيه إن وجدت. كيف لا وأنا دائما أنادي بضرورة خلق حركة نقدية واعية ومسؤولة ترافق وتساير الأعمال الفنية بالنقد الصارم والمؤسس، حتى يشتد عودها وتزهر أوراقها فتنتج لنا ثمار يحلو قطافها.

ومع ذلك، وللاحترام الذي أكنه لشخصك، لابد لي، صديقي، أن أجيبك على رسالتك لما تضمنته من أفكار وأخص بالذكر موقفك من عنوان الفيلم الذي سطرت في عنوان رسالتك كونه تمويهٌ وتعهّد… هو موقف لا يسعني سوى أن أحترمه بكل سعة الصدر… إنها أيضا فرصة، أستغلها لأعمّق الحديث أكثر في الموضوع بعد أن كان حبيس سجالات فايسبوكية تطغى عليها النزعة العاطفية والاندفاعية حينا، وحينا آخر تسقط في شراك التسطيح والتبخيس.

وقبل ذلك، أريد أن أشكرك أولا على تتبعك للأعمال التي نقوم بها وثانيا على معاينتك لإصراري “على استدعاء الذاكرة المحلية (في أعمالي)… ومن حرص على الاستقاء من معين جراحنا وأحزاننا الجماعية” مؤكدا بأنني جعلتُ ” من سرديات الممانعة الريفية موضوعا لكثير من (أعمالي الدرامية)…”. هذه شهادة إن كنت أعتز بها فإنها أيضا تشكل جوابا ضمنيا على تساؤلك المحوري… العنوان تمويهٌ وتعهّد؛ لأن الذي اختار أن يسلك هذا الطريق الشائك بكل ما يحمله من هم في طرح قضايا مرتبطة بالذاكرة وبالإنسان ويتناولها بكل الصدق الممكن سينمائيا، في مجتمع لا يتوفر ولو على قاعة سينمائية واحدة، لا أضن بأنه سيستعمل أو قل سيستغل عنوان الفيلم من أجل تمويه ما كيفما كان هذا التمويه…

تمويه مَن ومِن أجل ماذا؟ !… سؤال لا أضن أن له أفقا ولا ضرورة، خاصة مع فيلم اشتغلتُ عليه منذ البداية من أجل أن يكون وثيقة سينمائية تقاوم نسيان جوانب وحقائق من حدث تاريخي… فالحقيقة الوحيدة المؤكدة قبل الشروع في هذا العمل هي أن مثل هكذا فيلم لن يجد بتاتا طريقا له، عندنا في المغرب، لا للتلفزيون ولا للقاعات الغير موجودة أصلا في منطقتنا… أي لا استفادة مادية تُرجى من وراءه وخاصة حيث يشكل هذا العنوان استفزازا… وهكذا كان…

صديقي جمال، إن التمويه كيفما كان، لهو فعل شنيع ومرفوض… يفتقد للحس الأخلاقي وينزع عن الصادر منه كل مصداقية وصدقٍ… بل هو مغامرة غير محسوبة، مآلها الفضح والتعري والانكشاف آجلا أم عاجلا… وكل من يسلك هذا السبيل إنما يلعب لعبة خاسرة من الأساس.

نعم، حين اخترت عنوان “خميس 1984” والعنوان لا يأتي بالضرورة على صيغة التقرير، تعهّدت مع نفسي أولا وقبل أي كان، بأني سأتناول جانبا مهما من حدث تاريخي عشت بعض لحظاته… بل وأن ذلك الحدث التاريخي بالضبط هو من حركني كي أكتب، أخرج وأنتج هذا العمل. هل خنت تعهّدا قطعته مع نفسي، أولا وقبل كل شيء؟ !… طبعا، لا أضن بتاتا.

خميس 1984… هو ذلك اليوم الأسود الذي خرج فيه الناس طلبا لتحسين ظروفهم المعيشية… هو ذلك اليوم الذي استُعمل فيه الرصاص الحي… والدبابات… والمروحيات… قُتل فيه من قُتل… وجُرح فيه من جُرح… وأُصيب فيه من أُصيب بعاهات مستديمة… هل شاهدنا هذا في الفيلم؟ !… طبعا هو موثق فيه… بل وللمزيد من التوثيق أوردت مشهدين طويلين على شكل محاكمة رمزية لآلة القمع… لينتهي الفيلم بما خلصت إليه هيئة الإنصاف والمصالحة من معطيات وحقائق تبقى بالرغم من كل شيء مهمة جدا… ألا يكفي هذا وفاء لما يحمله العنوان من تعهّد؟ !…

إنك حين قلّلت من شأن تسمية أحد أبطال الفيلم “خميس” واعتبرت ذلك جاء “من باب التورية البلاغية، لا يضيف إلى جوهر الخلاف معنى ولا تمييز ذا بال” إنما، مع الأسف، تكون بذلك قد نزعت عن العمل فتيل خيط يمسك في تماسك حدثين مهمين قد يبدوان منفصلين من منظور سطحي ولكنهما في العمق شديدي الترابط والتناص والتماهي…

إن خميس الشخصية ما هو إلا الوجه الآدمي ليوم الخميس الدامي… فإذا كان يوم الخميس 19 يناير يوما داميا فان خميس زوج حسنة كان هو الآخر إنسانا “ينزف دما” جراء ما يعيشه من عقدة نفسية أربكت وجوده كرجل وكزوج… إن الفيلم يتناول حدثان لا يقلان أهمية عن بعضهما البعض، بل هما حدثان متكاملان ومترابطان؛ حدث تاريخي، اجتماعي موضوعي، عام وحدث نفسي، سيكولوجي، ذاتي، خاص… حدث تدور أحداثه في فضاء عام بكل ما شهده من قمع وقتل وإحباط انتهى بتراجيديا… وحدث تدور أحداثه في منزل خاص بكل ما شهده من قمع وقتل رمزي وإحباط نفسي انتهى بجزِّ رمز الرجولة والفحولة… وبين الحدثين تفاصيل دقيقة وكثيرة…

والخلاصة… إذا كان العسكري قد تسلح ببندقيته وشغّلها في قتل الناس خلال ذلك الخميس وانتهى به الأمر للموت هو الآخر، فان خميس الشخصية عانى من كون بندقيته لم تعد تشتغل كما كانت ليقرر التخلص منها في الأخير بجَزِّها ويكتب بذلك على نفسه موتا من نوع آخر.

إن فيلم “خميس 1984” ليس فيلما وثائقيا… ولا حتى فيلما وثائقيا خياليا… بل هو فيلم خيالي محض… قصصه خيالية صرفة وان كانت تستند على بعض الأحداث وقعت فعلا.

صديقي جمال، لا أدري إن كنت قد شاهدت الفيلم أم لا… لأنني، في الحقيقة، استغربت كيف أنك أفرغت الفيلم من كل محتوى له علاقة بأحداث يناير 1984، فقط لتبين تمويها افتراضيا ونكوصا في تعهّد يحمله عنوانه.

إن أي فيلم سينمائي خيالي، مهما كان، ليس سوى رؤية معينة يكونها شخص ما إزاء حدث… أو موقف… أو إحساس ما… ويحاول تناولها من الزاوية التي يراها مناسبة… مع كل ما يفرضه الإبداع من حرية وحلم وخيال… بعيدا عن إرضاء هواجس المشاهد ودغدغة مشاعره من أجل استجداء عطفه ورضاه… ففي تراثنا ما يقول: “ثناين ن تزيزوا اُرا أيراف ن ييزان”.

اسمح لي قبل الختم، أن أضيف لكل ما سبق أنني أرى في العنوان، كيفما كان العنوان ولأي عمل كان، أرى فيه ذلك الاسم الذي تمنحه لصبية أو صبي ازداد فراشك بعد عناء مخاض… اسم اخترته بعناية فائقة وتوطّدت بينكما وشائج علاقة حميمية لا تخضع لاختبار أحد ولا تقع تحت طائلة توجيه ما… وأي محاولة من أجل ذلك قد تسقط في فخ وصاية أو منع يذكرنا بمنع للأسماء الأمازيغية… أو بالسياق السلفي القائل خير الأسماء ما حمد وعبد؛ أي اختيار عنوان تقريري يعكس المحتوى وكأن المبتغى الوحيد هو تحقيق حلم إرضاء كل الناس وبالتالي تحقيق شعبية للفيلم… غير أن هذه المقاربة لا تتناسب والإبداع الهادف. إن صياغة عنوان تقريري مباشر لن يحقق الانزياح وربما قد لمست ذلك بحكم اطلاعك على بعض أعمالي الأعمال الأدبية من خلال بعض العناوين ك”ثيشري خ ثاما نتسارّاوث”، “ثوذاث ذك اُندر”… فالإبداع أحيانا يقتضي خرق النظام اللغوي المعتاد والخروج عن المألوف… هذه تيمات أردت مشاركتك فيها كونها تدخل في صميم اهتماماتك حتى لا أكتفي بالقول أن عنوان الفيلم أو أي جنس إبداعي هو لحظة ذاتية، شخصية وحميمية، كما أسلفت.

ختاما، لا بد لي أن أعرج على رواية جورج اورويل الذي اختار لها عنوان “َ1984″… اورويل، هذا الكاتب البريطاني المشهور، كتب هذه الرواية سنة 1948 وحين أراد أن يختار لها عنوانا عكس فقط تاريخ كتابتها.

أما مكيافيلي فقد قال:  « Ce n’est pas le titre qui honore l’homme, mais l’homme qui honore le titre »

لذلك، سأنتهي بما قلته في البداية… العنوان، يا صديقي، مهما كان جيدا… ومهما كان تمويها… لن ينقذ أبدا عملا سيئا… ومهما كان العنوان سيئا… وكان صادقا… لن يحطم أبدا عملا جيدا…
لك مودتي وتحياتي…

شاهد أيضاً

أسئلة الاستقلال عن الحقيقتين الأمنية والإعلامية

ليس من حقنا أن نعترض على حلول الإعلامي محل الفاعل السياسي والفاعل الحقوقي في فضح ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *