تحديات مأسسة الأمازيغية

عبد الله حتوس

حينما طلب مني الإخوة و الأخوات في “ءازا فوروم” المساهمة في أشغال الملتقى الذي نظموه بتيزنيت بمناسبة حلول السنة الأمازيغية 2970، تحت شعار تحديات مأسسة الأمازيغية، اخترت أن لا أعيد تكرار ما جاد به ذكاء الكثير من مناضلي الحركة حول الموضوع والذين أشاطرهم حتما الكثير من الرؤى والأفكار. أردت من مساهمتي سلك مسلك آخر بحثا عن قيمة مضافة قد تغني النقاش، انطلاقا من السياق السياسي العام الذي يرخي بظلاله على كل المواضيع بما فيها مأسسة الأمازيغية.

عندما نضع أشغال الملتقى في سياقه العام الوطني، نجد أنفسنا مضطرين للتوقف عند بعض الأحداث، قلت البعض وليس الكل، ذات الإرتباط المباشر بمأسسة الأمازيغية في اعتقادي :

  • تعيين الملك لأعضاء لجنة النموذج التنموي وتدشينها لجلسات استماع لمقترحات الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية.
  • الإهتمام الكبير الذي سبق محاضرة كان سيلقيها المفكر الفرنسي الكبير “إدغار موران” حول التنمية وأزمة التنمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط. محاضرة أجلت بسبب مرض ألم بالمفكر الفرنسي.
  • الدرس الافتتاحي الذي ألقاه المفكر المغربي عبد الله العروي في افتتاح كرسي الأستاذ عبد الله العروي في التأويل والترجمة. محاضرة اشار فيها من بين ما اشار إليه إلى الأخطار المحدقة بالدولة الوطنية.

الأحداث الثلاثة لها خيوط ناظمة تربط بينها، يمكن أن نوجزها تعسفا في فقرة واحدة على الشكل التالي : ” في كل بقاع العالم تواجه الدولة الوطنية تحديات كبرى تهدد استقرارها بل في بعض الحالات استمرارها، ذاك الاستقرار وذاك الاستمرار المشروطين بتحقيق معدلات نمو مرتفعة وبلورة نموذج تنموي لرسملة نتائج النمو يضمن توزيعا عادلا للثروة بما لا يترك أحدا على هامش المجتمع. نموذج تنموي لا يرتكز فقط على المعايير الإقتصادية والمالية والتقنية، بل يضع في صلبه الثقافة والقيم كروافع للتضامن والشراكة والسلم الإجتماعي والعيش المشترك”.

قد يتساءل البعض عن علاقة المأسسة بكل ذلك، وقد يقول البعض الآخر قد يكون ما أتيت به مهما لكن نحن نناقش موضوعا مرتبطا بتنزيل قانون تنظيمي لا يحتمل الكثير من النقاش حول التنمية والدولة الوطنية وما إلى ذلك.

طيب، لنبدأ بتعريف بسيط لمفهوم المأسسة الذي تقابله أطول كلمة باللغة الفرنسية “Institutionnalisation  “، المأسسة تعني بلورة إطار قانوني وتحديد القوانين والمعايير المنظمة للاعتراف السياسي والتواجد القانوني والفعلي والعملي باللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل مؤسسات الدولة. ولنواصل بوجهي هذه المأسسة اللذان لا يعيرهما الكثيرون أي اهتمام، لأن بريق المأسسة وأثرها المخدر على المتلقي يحولان دون ذلك. وجه المأسسة الجذاب يسر الناظر إليه من دولة ومجتمع مدني، باعتباره تعبيرا عن إنصاف قانوني للأمازيغية وتوثيقا لاتفاق الدولة والحركات الأمازيغية على ملف خلافي وطي لصفحة الصراع في إطار رابح/رابح. أما وجهها القبيح والمخيف فيحيل على دخول الأمازيغية قفصا من حديد ( une cage d’acier  ) قفص البيروقراطية بما هو نظام ينتصر للشكل والمعايير ( le formalisme  )، يحول الكثير من القضايا الممأسسة من غايات مجتمعية إلى غايات في حد ذاتها (  (  des fins en soi بعد أن تستقل عن المجتمع وتصبح مسلسلا من الأشكال والطقوس البيروقراطية بلا طعم ولا رائحة.

هذا القفص هو الذي يجب أن نجد له منافذ تدخل وتخرج منها الأمازيغية بكل حرية، وفق ما يخدم مصالحها في الرقي. تشييد هذه المنافذ يمر عبر سبلين :

  1. المساهمة الجدية في النقاش الذي فتح حول النموذج التنموي الجديد، بما يثير انتباه أعضاء اللجنة وباقي الفرقاء المدنيين والسياسيين إلى الأدوار المحورية للثقافة في التنمية، لان ازمة التنمية لا يمكن معالجتها بأدوات تقنية واعتمادا فقط على الأرقام والإحصائيات، بل معالجتها تمر بالأساس عبر الوعي بان أزمة التنمية معقد ومتشابكة كما يؤكد على ذلك الكثير من المفكرين والخبراء، بما فيهم “إدغار موران” الذي يلح على أن تناول أزمة التنمية يجد إطاره الصحيح فيما يسميه بالفكر المركب ( la pensée complexe ).

كما يجب لفت أنظار اللجنة إلى الملاحظات والإنتقادات الموجهة إلى برنامج الأمم المتحدة حول التنمية في أفق 2030 من طرف العديد من الباحثين والخبراء عبر العالم، بسبب عدم أخذه بما يكفب من الجدية والحزم للعناصر الثقافية كدعامات أساسية للتنمية إلى جانب الدعامات الكلاسيكية الأخرى. كما يجب أن يكون الإشتغال على أدوار الثقافة في التنمية ورشا مفتوحا يؤطر أيضا علاقتنا بالهيئات السياسية والمهنية وفي صلب الترافع بشأن التنزيلات الممكنة  للجهوية المتقدمة.

  1. السبيل الثاني يتمثل في ضرورة الوعي بأن القوانين والمراسيم لا تحقق الديموقراطية أو كما يقال : démocratie ne se décréte pas, elle se construit.    La )  . فإنصاف الأمازيغية باعتباره مرتبط أيما ارتباط بالدمقرطة لا يمكن أن يتم عبر القانون التنظيمي وتنزيلاته وحده، بل هو رهين بالأساس بالديناميات المجتمعية وما قد يتمخض عنها من تفاعلات مجتمعية ومن ذكاء جماعي منتج لوعي جذيذ لذى المغاربة جميعا. وعي بالقذر المشترك، وعي بأننا نبحر جميعا على متن سفينة نتقاسم أسهمها إسمها المغرب تبحر بنا في محيطات زمن عالمي غامض، مجبرون على الشراكة في القيم التي تجمعنا وعلى تملك لغاتنا وثقافتنا جميعها وعلى الشراكة في الثروة بإنصاف الأقل حظا والأكثر معاناة.

هذه بعض من الأفكار وقد يكون ما هو أعمق منها بكثير لذى الكثير من مناضلي الحركة الأمازيغية ولذى كل المؤمنين بأن الطريق إلى التنمية يمر عبر مصالحة المغرب والمغاربة مع ذاتهم الجمعية، بكل تفاصيلها اللغوية والثقافية. هناك في المغرب ثروة لا ينتبه إليها السياسي إلا ناذرا يمكن تلخيصها فيما يعرف بالرأسمال الإجتماعي المرتبط بالجذور والأصول وبكل التجارب التي مر منها المغاربة وجعلت منهم شعبا عرف كيف يحكم جزءا من أوربا لقرون، قبل أن يصمد أمام الإمبراطورية العثمانية التي أسقطت نصف أوربا تحت قبضتها.

شاهد أيضاً

الأمازيغية وإيديولوجيا الدولة

من نحن؟ وماذا نريد؟ من هنا بدأت القصة، قصة مسار تعامل الدولة المغربية مع القضية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *