تجديد الخطاب الريفي

محمد أمزيان

بعد مرور ثلاث سنوات على طحن الشهيد محسن فكري وانطلاق شرارة حراك الريف، وما تداعى بعد ذلك من أحداث، هل استوعبنا طبيعة الصراع القائم بين الريف والمركز؟ 

في تقديري، هذا سؤال مطروح الآن، وبحدة، خاصة بعد أن دخل مسار حراك الريف نفقَ التآكل الداخلي، وانتقلت مسألة الدفاع عن الريف من دائرة الحقوق والعدالة الاجتماعية والإنصاف، إلى متاهاتِ نقاشٍ فرعي عقيم حول “الشرعية”. من يمتلك شرعية تمثيل الحراك؟ من يحق له وحده الدفاع عنه؟

الحراك جزء من الكل، وهو متحول وليس ثابتا، يخضع لما تخضع له كل الحركات الاحتجاجية في العالم؛ يقوى ويضعف، يُحقق أهدافه – كلها أو بعضها – أو يُقمع. والريف هو الحاضن لتراكم تاريخي وثقافي واجتماعي، تتشكل على أُسُسه الذهنيةُ الريفية والهويةُ الريفية المشتركة. الريف أيضا ذاكرة ومسار ومآل. ريفٌ مشتركٌ إذن، يحِق لجميع أبنائه الدفاع عنه؛ كل من موقعه، كل من قناعاته. الريف ليس مِلكا لأحد لكونه مصيرُ وقدرُ جميع الريفيين. لا أحد منا يزعم امتلاكه الشرعية، ولا أحد منا له الحق في مصادرة حق الآخرين حتى ولو اختلفت توجهاتنا وقناعاتنا. هذا هو المبدأ، وعليه يتوجب التأسيس والبناء.

الشرعيةُ يمنحها العمل، يزكيها الميدان وتعززها التضحيات؛ أي “الواجب”، كما قال الأمير عبد الكريم الخطابي. فالقادة الذين لبّوا نداء هذا الواجب، لم ينزلوا من السماء مع حبات المطر، بل أفرزهم الميدان، واحتضنهم الناس حينما أحسوا الصدق في أقوالهم والعزم في أفعالهم.      ربما لم تتوفر الشروط الموضوعية بعدُ لتقديم قراءة شاملة لمسار الحراك، إلا أن هذا لا يمنع من التوقف عند تقاطعات القوة والضعف فيه. هذه القراءة التي أدعو إليها هي دعوة مفتوحة للجميع، كل من موقعه، كل من موقفه، كل من قناعاته، أن يضع مسار الحراك على محك الميزان. الحراك الشعبي في الريف – في تقديري المتواضع – وما خلّفه من أشكال احتجاجية في الداخل والخارج، بيّن أنه حراك حي ينبع من دينامية مجتمعية كبيرة رغم الضغوطات والإكراهات والتشويشات، بل الطعنات التي يتلقاها من كل جهة. ولهذا يتوجب علينا جميعا تحصين الحراك من التشوُّهات، والعمل على تقوية منابعه من التَّلوُّثات المغرضة والمعادية. ولقد رأينا كيف تُستغل بعض الهفوات أو الأفعال المعزولة، لتشويه سمعة الحراك وممارسة الابتزاز على رموزه المعتقلين. لا أدّعي أن تحصين الحراك مسألة سهلة، بل هي معقدة جدا ومُلتبِسة. ولكن الحذر واليقظة أمران يفرضان نفسهما في هذه المرحلة الحرجة، وستكون هناك دوما فئة من الناس تقوم بأفعال قد تراها، من وجهة نظرها، أفعالا ضرورية لاستفزاز المنظومة السياسية القائمة، إلا أنها تبقى، في نظري، أفعالا لا تخدم، في الوقت الراهن، فلسفة الحراك ولا أهدافه التي سطرها الحراكيون أنفسهم في الميدان. وبطبيعة الحال، فلهذه الفئة حقها الكامل في التعبير عن نفسها بالطُّرق والأساليب التي تراها صائبة لمواجهة المنظومة السياسية القائمة، لكن عليها، في المقابل، أن تعلن بشجاعة أنها في حِلٍّ من مطالب الحراك، وأنها حرة في اختياراتها ومستقلة في قراراتها وتتحمل كامل مسؤولياتها عن أفعالها.

“الصراع مع المركز لا يُدار بالعواطف ولا بالشتائم ولا بردّات الفعل، ولكنه يدار بالعقل والعمل الجاد وبالتوعية الميدانية”.

وعلى كل حال، فإن مسار الحراك يتأثر بمدى تفاعل محيطه، وهذا المحيط في الوقت الراهن معادٍ في مجمله، أو محايد. ولا يخفى على أحد أن العمل في محيط معادِ أو محايد يُعد عملا صعبا، إن لم يكن مستحيلا. وفي الوقت نفسه يعطي الدليل على أن الصراع طويل، يستدعي ابتكارَ أساليب جديدة، ويفرض وقفة تأمل لوضع آليات العمل خلال السنوات، وربما العقود القادمة.

كانت المطالب التي خرج من أجلها الريفيون عادية جدا، وكان بالإمكان تحقيقها دون سلوك طريق الحساب والعقاب، ورأينا كيف تمت شيطنة الحراك ورموزه وشيطنة كل ما له صلة بتاريخ وثقافة وهوية الريف. ومع أن المركز يملك كل وسائل الشيطنة، من إعلام متهافت، ومشهد سياسي ميت، وقضاء مخيف، ومنظومة أمنية مُرعبة، لكن الريفيين، في المقابل، يملكون الإرادة الصلبة، يملكون الإيمان بعدالة قضيتهم.

يكفي الحراك فخرا أنه بيّن الصورة الحقيقية للوضعية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في بلادنا كما هي، لا كما تريد قبيلةُ الريع الترويجَ له في الداخل والخارج. الحراك عرّى واقعنا كريفيين أيضا، وأبان عن أعطابنا ونواقصنا في الميدان السياسي، وعجزنا التام عن إنتاج خطاب عقلاني بديل، قادرٍ على التصدي للشيطنة المُمنهَجة. أي نعم، أنتجنا قاموسا غنيا بالشتائم والتنابز بالألقاب بين الريفيين أنفسهم، فتم الإجهاز على ما بقي من لحمة التضامن الريفي-الريفي. وهكذا أصبح الريفي مشيطنا من المركز ومشيطنا من أخيه الريفي، وسيمر وقت طويل قبل أن نتعافى – هذا إذا تعافينا – وهو وقت كان علينا استثماره في المكان المناسب.

خلاصة القول، إن الحراك الشعبي في الريف:

–   خلق إجماعا نوعيا بين كافة مكونات المجتمع الريفي، وخاصة في بداياته،

–   كشف عن ضعف النخب السياسية (الأحزاب) التي اختارت الاصطفاف إلى الجانب الرسمي، إلا بعض الاستثناءات غير المؤثرة،

–   كشف الغطاء عن نفاق الإعلام الذي تبنى وجهة نظر السلطة الرسمية، بل أصبح قسم كبير منه سيفا مسلطا على كل ما له صلة بالريف، ويُسوّق أدوات الشيطنة،

–   أظهر كم هو القضاء قاسيا في بلادنا،

–   كشف عن ضعف التضامن من قِبل القوى الحية،

–   أظهر أن الريف يقف وحيدا أمام قدَره.

فالإجماع الذي تحقق طيلة مسار الحراك قبل حملة الاعتقالات، إجماع قل نظيره في الريف خلال العقود الأخيرة، ولعل هذا ما أقلق المركز. فعلى الرغم من محاولاته المتكررة لخلق منصة تابعة له، تنطلق منه سياساته الرسمية والتأسيس لـ “سِلم اجتماعي” وهمي، إلا أن كل تلك المحاولات المحمولة على أكتاف الريع من كل الأصناف والأوزان، فشلت في تدجين الريفيين الذين اعتبروا “نخبة الريع” جزءً من المشكل. ولطالما سوَّقت هذه الفئة من الريفيين مقولة إن الريف قد “تاب”. والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق: ماذا اقترف الريف من خطيئة لكي يتوب عنها؟ وهل الجهر بقول “لا” للتهميش بكل أشكاله يعتبر عصيانا؟ هل فضح منابع الفساد يُعد خروجا عن الإجماع الوطني؟

الذي ينظر بإنصاف إلى مجموع المطالب التي رفعها الريفيون في عز الحراك، سيرى بما لا يدع مجالا للشك، أنهم كانوا يطالبون بقليل من الكرامة والإنصاف والاعتراف. هذا الإجماع الذي ظل صامدا طيلة أكثر من ثمانية أشهر، أربك حسابات المركز السابقة، فعمد إلى استخراج أدوات الشيطنة القديمة؛ مثل العصيان والانفصال وما إلى ذلك من أحكام جاهزة، محاولا بذلك قطع أسباب التضامن مع الريف، وخلق قطب واسع من الرأي العام في داخل المغرب ينفصل عن مطالب الريفيين التي هي في جوهرها مطالب جميع المغاربة. فمن هم الانفصاليون الحقيقيون؟

تحدثت في البداية عن القضية الريفية دون التساؤل عن مفهوم هذه القضية؛ ما طبيعتها؟ ما مواصفاتُها؟ وهل هي قضية مستحدثة أم ممتدة في العمق التاريخي الريفي؟

في اعتقادي، أن الريف قضية كبرى، شائكة وممتدة في الزمن الريفي والزمن المغربي على السواء. ومحطات التاريخ الحديث والمعاصر تقدم ما يكفي من المؤشرات على أن المعضلة الريفية لها طابع بنيوي لا يمكن معالجته ببعض المُسكّنات ولا بالقبضة الأمنية وحدها. وأرى أن الحراك الشعبي الأخير هو أحدُ تجلياتِ المعضلة الريفية في علاقته مع المركز. في إحدى المقابلات الصحفية التي أجراها سعيد الخطابي، نجلُ الأمير عبد الكريم الخطابي، في أعقاب الزيارة الأولى التي قام بها الملك محمد السادس للريف، قال ما معناه: “المخزن لا يثق في الريف والريف لا يثق في المخزن”. هذه المعادلة صعبة التفكيك، لأنها تتطلب ثقافة الاعتراف – وهي ثقافة غائبة في سلوكنا الجمعي – وتستلزم التسلح بالإرادة الشجاعة من الجميع.

وفي المقابل، ماذا فعلنا نحن في سبيل القضية الريفية؟

يبدو أننا لم نستوعب طبيعة الصراع بعد. لم نعرف كيف نحمل القضية إلى بر الأمان، سواء داخل المغرب لخلق مزيد من التعاطف معها داخل صفوف الأصوات التي ما تزال تقاوم الانجراف العام، ولا حتى في الخارج. لقد حصرنا مسألة الدفاع عن الريف في “رد الفعل”، ولم ننتقل بعد إلى “صُنع” الفعل الريفي.  أعترف أن عملية صُنع الفعل الريفي ليست بالأمر الهين، وخاصة في هذه الظرفية التي يعرف فيها الجسم الريفي تمزقا كبيرا، بل تطاحنا وكأننا في زمن “الريفوبليك”. إذن، هو عمل صعب يحتاج إلى التفكير الهادئ بعيدا عن الاصطفاف والعاطفة الجياشة، يحتاج إلى تضحيات على كافة المستويات، ولا أقصد هنا التضحيات بالأرواح أو فعل الاستشهاد، فالريف في غِنىً عن مزيد من الشهداء، إنما المقصود هو التضحيات بالوقت والمعرفة والعلاقات والأموال. فلا يمكن لأية قضية مهما كانت عادلة أن تواجه الأعاصير بلا عتاد.

الصراع مع المركز لا يُدار بالعواطف ولا بالشتائم ولا بردّات الفعل، ولكنه يدار بالعقل والعمل الجاد وبالتوعية الميدانية. كل هذا لا يتأتى إلا بتوفير الإمكانيات المادية التي تواكب العمل الميداني والتخطيط وتسطير الاستراتيجيات. فكيف لملايين الريفيين أن يعجزوا حتى الآن عن إنشاء منبر إعلامي قادر على إنتاج خطاب عقلاني يواجه الحملات الرسمية المُزوِّرة للحقيقة والتاريخ؟ كيف عجز الريفيون عن خلق وسائط ضغط (أو ما يسمى باللوبيات) يكون لها تأثير على المجتمعات التي يقيمون فيها؟ لماذا عجز الريفيون عن خلق مركز ثقافي وازن يكون رافدا للقضية الريفية، وبديلا للخطاب الرسمي؟ هذا غيضٌ من فيضِ الإخفاقات التي أسهمت في جعل القضية الريفية قضية ضائعة.

لا أعتقد أن الأوان قد فات. القضية الريفية باقية والإنسان الفرد زائل. إلا أنه يتعين على الريفيين أن يعملوا بطريقة مغايرة، علينا أن نجدد خطابنا ونجدد أدواتنا، ونجدد حتى علاقاتنا، ليس مع بعضنا البعض فحسب، بل مع غيرنا، وهذا أهم. تجديد الخطاب الريفي يعني في ما يعنيه الجواب عن سؤال مهم: ماذا نريد؟ ماذا نريد لهذا الريف. إذا حددنا عناصر الجواب، نكون قد بدأنا في تحقيق ما نريد.

يقول محمود درويش:

“أرى ما أريد من الليل.. إني أرى

نهايات هذا الممر الطويل على باب إحدى المدن”.

نص الكلمة التي شاركت بها في لقاء كولونيا – ألمانيا، 16 نوفمبر 2019

شاهد أيضاً

الرباط: موائد مستديرة حول فترات ما قبل التاريخ في شمال وجنوب إفريقيا

انطلقت صباح اليوم الخميس 5 دجنبر 2019، بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث سلسلة موائد مستديرة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *