الباحث السياسي الجزائري فوزي بن عبد الحق في حوار مع “العالم الأمازيغي”

الأمازيغية مقبلة على مرحلة أخرى ونضال جديد لدعم المكاسب السياسية والقانونية التي حققتها

أكد الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعة لونيسي علي البليدة بالجزائر، فوزي بن عبد الحق في حوار مع “العالم الأمازيغي”على أن “القضية الأمازيغية مقبلة على مرحلة أخرى ونضال جديد لدعم المكاسب السياسية والقانونية التي حققتها، من خلال العمل على ترجمة النصوص الدستورية في أرض الواقع”.

وشدّد الأكاديمي الجزائري، على أن جوهر “القضية الأمازيغية لا يقتصر على مادة في دستور لا يحظى باحترام حتى من وضعه، ولا بـتخصيص يوم للاحتفال بها أو بإنشاء أكاديمية لترقيتها”. مشيرا إلى أن “المكاسب القليلة التي تحققت للأمازيغية بالجزائر لم تكن هدية أو حبا من النظام السياسي الجزائري، بل تحققت بعد تضحيات نساء ورجال ضحوا بالنفس والنفيس بنضالهم المتنوع، أجبروا النظام على الخضوع والاستجابة لمطالبهم المشروعة، تعرضوا للسجن والتعذيب والقمع والتنكيل والنفي”.

حاوره/ منتصر إثري

* كيف تقرب نفسكم لقراء “العالم الأمازيغي”؟

أزول فلاون، بداية تسعدني هذه الاستضافة في حوار مع جريدتكم الموقرة العالم الأمازيغي، كما أشكر وأثمن المجهودات التي تبذلونها من أجل ترقية والنهوض بالهوية الأمازيغية، وبالمناسبة أحي كل قراء جريدة العالم الأمازيغي.

فوزي بن عبد الحق أكاديمي جزائري من مواليد ماي 1984 ببجاية منطقة القبائل، أستاذ باحث في العلوم السياسية بجامعة لونيسي علي البليدة 2، مناضل أمازيغي وناشط حقوقي وديمقراطي، نشأت في منطقة متمردة سياسيا وبيئة ثقافية أمازيغية بامتياز، لقد تعلمت من والدتي (التي لا تتقن الحديث إلا باللغة القبائلية الأمازيغية) ما لم أتعلمه في المدرسة والجامعة من الصبر والصدق، من الإخلاص والأمانة، وورثت من أبي الرزانة والتضحية، تربيت على أغاني الفنان الثائر معطوب الوناس، الذي طردت من أجله من الثانوية لسبب رفضي نزع صورته التي ألصقتها على وجه محفظتي، فقاموا تلاميذ الثانوية بإضراب عن الدراسة حتى تم إعادة إدماجي في الثانوية.

* قراءة وتحليلا كيف ترون واقع الأمازيغية اليوم في الجزائر؟

على مدار عقود قوبلت مطالب الأمازيغ في الجزائر بعنف شديد، وفي كل مرة تسعى السلطة في الجزائر بشكل مستمر إلى انتهاج سياسة “تقطير المكاسب” مع المطالب الأمازيغية، فمنذ بداية التسعينيات تصدر السلطة قرارات تخص الاعتراف باللغة والهوية الأمازيغية، بعد مسار نضالي طويل قوبل من طرف النظام القائم بالعنف والترهيب تارة وبالمراوغة والترغيب تارة أخرى، كانت أبرز محطاته انتفاضة “الربيع الأمازيغي” في 20 إبريل 1980، و”إضراب المحفظة” نهاية عام 1994، وقتل الفنان الثائر والشاعر المتمرد “معطوب الوناس” في 25 جوان 1998، وانتفاضة “الربيع الأسود” في إبريل 2001، والمسيرة الحاشدة باتجاه العاصمة في 14 جوان 2001…إلخ، وحصلت القضية الأمازيغية على مكاسب سياسية وقانونية هامة، بينها تدريس اللغة الأمازيغية منحصر في 17 ولاية حتى الآن من مجموع 48 ولاية، والاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية ورسمية في دستور 2016، إضافة إلى إنشاء الأكاديمية الجزائرية للأمازيغية، وتنظيم مهرجانات للسينما والمسرح والفلم الأمازيغي، وإنشاء قناة تلفزيونية رسمية ناطقة باللغة الأمازيغية، يعطي مؤشرا إلى أن السلطة في الجزائر لا تستجيب للمطالب إلا تحت ضغط الشارع.

لكن دعني أشير إلى مفارقة تستدعي الانتباه وتثير مزيداً من الحيرة في الفترة الأخيرة في الجزائر، ففي الوقت الذي تتقدّم فيه القضية الأمازيغية على صعيد تحقيق مزيد من المكاسب السياسية المشروعة والتكريس الرسمي والدستوري والقانوني والمؤسساتي، يتراجع تدريس وتعليم اللغة الأمازيغية واستعمالاتها بشكل كبير وبصورة ملحوظة، سواء على صعيد المنظومة التربوية والتعليمية أو على مستوى الإدارة والخطب الرسمية، إذ يُفضّل قطاع واسع من المسؤولين في الجزائر الحديث باللغة العربية والفرنسية واستعمالها في مراسلاتهم بشكل رسمي، كذلك تشهد البلاد حالة تضييق على تعليم اللغة الأمازيغية في المنظومة المدرسية وتقليص الساعات المخصصة في التوزيع الزمن الدراسي لها وأفضلية المواد المسماة بالمواد الأساسية، وهو ما يعتبره مراقبون سوء نية المسؤولين وغياب رؤية واضحة لتوجّهات السلطة السياسية، ما أتاح التفاقم الحاد للنقاشات الهوية والإثنية في الجزائر.

“الحركة الأمازيغية خزان ثوري لكل النضالات من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء دولة الحق والقانون”

* كيف تنظرون للمكاسب القليلة التي تحققت حتى الآن لصالح الأمازيغية ؟

إن جوهر القضية الأمازيغية لا يقتصر على مادة في دستور لا يحظى باحترام حتى من وضعه، ولا بـتخصيص يوم للاحتفال بها أو بإنشاء أكاديمية لترقيتها، فهي لسان عموم الجزائريين، عكس ساستهم ولم تتجسد حتى في التعاملات الإدارية ولا التعاملات الرسمية للدولة، فلا يجب أن ننسى أن النظام السياسي الذي صادر الاستقلال الوطني الجزائري منذ 1962، كان يسلط كل أساليب المنع والحضر على الأمازيغ ولم يكن يسمح للأمازيغية بالتنفس، حيث كان يعتقد بأن الأمازيغية تضر بالحضور القومي العروبي في البلاد، وأدت هذه النظرة الإيديولوجية الإقصائية إلى الهوية الأمازيغية، بالنظام السياسي الحاكم في الجزائر إلى أن يتجاوز العنف المعنوي في حق مناضلي ونشطاء الأمازيغ (البربريست les Berbéristes)، الذين كان ينظر إليهم بحقد وغل وكراهية، وصورتهم وسائل الإعلام بأنهم مرتزقة عملاء وخونة، وتم تغييبهم من المنابر الإعلامية والثقافية…، إلى العنف الجسدي من النفي (حسين أيت أحمد، بسعود منحند أعراب)، والسجن (محند أوهارون، إسماعيل مجبر، قاسي الوناس، أحسن شريفي، فرحات مهني…) وحتى الاغتيال والتصفية الجسدية (كمال أمزال، معطوب الوناس، قرماح ماسينيسا)، … والقائمة طويلة.

إذا، هذه المكاسب القليلة التي تحققت لم تكن هدية أو حبا من النظام السياسي الجزائري، بل تحققت بعد تضحيات نساء ورجال ضحوا بالنفس والنفيس بنضالهم المتنوع، أجبروا النظام على الخضوع والاستجابة لمطالبهم المشروعة، تعرضوا للسجن والتعذيب والقمع والتنكيل والنفي…، فأبناء منطقة القبائل واجهوا الرصاص بصدورهم عارية ومنهم من دفع دمه وروحه في سبيل القضية الأمازيغية، كان كل ذلك، ولم يحملوا السلاح يوما ضد الوطن كما فعلوا الإسلاميين، ولم يبيعوا ذممهم للقوى الخارجية كما فعل الكثير الذين يتشدقون بالوطنية، إيمانا منهم بالوطن لأنها أرضهم ولا أرض لهم إلا أرض تامزغا.

* هل يمكن الحديث عن نية المصالحة مع الهوية والثقافة الأمازيغية أم هناك محاولات من طرف السلطة لاحتواء أي تحرك أمازيغي قادم؟

بعيداً عن بعض المخاوف والهواجس التي تطرحها بعض الأطراف (وهي مشروعة)، أعتقد أن تبني النظام للأمازيغية من شأنها أن يعيد الأمور إلى نصابها بعد عقود طويلة من تهميش الهوية الأمازيغية، كذلك من شأنه أن يدعم مقومات الوحدة الوطنية في الجزائر، وعامل إضافي لتحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطار نظام فيدرالي، لأن يناير مثلاً كعيد رأس السنة الأمازيغية هو عيد شمال إفريقيا بامتياز، ويمكن أن نعطيه بعداً وحدوياً لتمازغا ككل.

لكن يبقى هذا ناقصا ما لم تبدي السلطة نية حسنة في ترسيخ الأمازيغية وتحقيق مصالحة حقيقية مع الهوية الامازيغية وابراز وعي الأمة بروحها وشخصيتها من خلال ثرائها، لذا أقول أن السلطة لا تستطيع احتواء تحرك الأمازيغ، ما دام لم تتحقق المصالحة الوطنية الحقيقية مع الهوية الامازيغية الأصلية، بل  يمكن اعتباره مهدئ لإسكات منطقة القبائل لتمرير العهدة الخامسة (التي تم إجهاضها بعد الحراك الشعبي الأخير) وإبقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم، فدسترة الأمازيغية غير كافية وتعبر عن عدم اقتناع النظام بمشروعية هذا المطلب الشرعي، فما معنى المادة (3) من الدستور التي تنص على أن: “تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية..”، فلو كانت المبادرة جادة، لكانت دسترة الأمازيغية بعبارة بسيطة ومفهومة في مدلولها تتمثل في: “العربية والأمازيغية لغتان وطنيتان ورسميتان…”، ولكان كذلك المشرع الجزائري وضع آليات لتنفيذ هذه المادة على أرض الواقع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الأمازيغية غير مرتبطة فقط باللغة، بل مرتبطة بعادات وتقاليد وتراث مادي ومعنوي عريق، فإن مسألة الحفاظ عليه أمر في غاية الأهمية، لأنه يمنح الجزائريين شعورا بالانتماء والحفاظ على هويتهم الأصلية وسيؤدي بالضرورة إلى تحقيق المصالحة الحقيقية مع الهوية الأمازيغية.

*ألا يمكن القول بأن ترسيم اللغة الامازيغية في الدستور وترسيم يناير عطلة رسمية يعدان تمرة للربيع الأمازيغي الشهير؟

نعم بالتأكيد، يعتبر الربيع الأمازيغي نبراس كل نضالات الحرية والديمقراطية في الجزائر، بل في كل دول شمال إفريقيا، لكن، دعني أعيد صياغة هذا السؤال على النحو التالي: هل دسترة الأمازيغية وترسيم يناير جاءت عن قناعات أم عن ضغوط؟، إن محاولة جواب عن هذا التساؤل يستدعي التذكير بالتضحيات واستعراض النضالات التي قدمتها منطقة القبائل عبر عقود طويلة.

فعند مجيء الرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” في بداية القرن الواحد والعشرين صرح في أحد مهرجاناته بمدينة تيزي وزو خلال حملته حول قانون الوئام المدني قائلا أنه: “لن يقبل أبدا دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية”، لكن بعد نشوب أحداث 2001 في منطقة القبائل بعد مقتل الشاب “قرماح ماسينيسا” في ثكنة الدرك الوطني وسقوط أكثر من 127 ضحية من منطقة القبائل، وهو ما سيعرف بـ: “الربيع الأسود”، – وهو حقيقة استمرار للربيع الأمازيغي 1980 الذي يعتبر أول انتفاضة ديمقراطية في الجزائر المستقلة-، اضطر الرئيس الجزائري لتعديل دستوري جزئي سنة 2002 واستحداث المادة (3) مكرر والتي تنص على أن: “تمازيغت هي كذلك لغة وطنية، تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني”، لكن هذا الاعتراف لم يصاحبه تغيير طبيعة الإطار الإيديولوجي العروبي للدستور والمجال العام، لذا استمر مطلب دسترة الأمازيغية كلغة رسمية للجزائر، حتى جاء التعديل الدستوري سنة 2016، وجاءت المادة (4) بصيغة: “تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية، تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني”، بالإضافة إلى استحداث مجمع جزائري للغة الأمازيغية يوضع تحت رئاسة الجمهورية.

كل هي المكاسب التي تحققت وقرار دسترة الأمازيغية بعد حراك احتجاجي كبير شهدتها ولايات منطقة القبائل، بجاية وبويرة وتيزي وزو وبومرداس، لكن في الحقيقة هي مجرد مكسب سياسي دستوري قانوني، إن لم يفعل يبقى صوري وشكلي، فـبعد مرور ثلاثة سنوات على “الترسيم اللغة الأمازيغية”، لا يزال مشروع التكفل بلغة الأمازيغية يراوح مكانه، ولم توضع حتى الآن آليات قانونية ومؤسساتية لتفعيل هذه المادة من الدستور، ما يثير التعجّب في بلد تُقر كل تياراته الإيديولوجية بحقها في الأمازيغية (إلا أتباع التيارات الإسلامية)، إذا في رأي، جاءت هذي المكاسب محاولة لتهدئة الشارع القبائلي من جهة، وتحييد منطقة متمردة معروفة بمعارضتها التاريخية للنظام، لتمرير العهدة الخامسة (التي تم اجهاضها) واستمرار الرئيس بوتفليقة وجماعته في الحكم وليس حبا وقناعة بالأمازيغية.

*هل تعتقدون أن تبني النظام للأمازيغية ولو بالطريقة المحتشمة التي نتابعها سيفرغ نضالات الحركة الأمازيغية من معناها النضالي ؟

هناك من يعتبر أن النضال الهوياتي الأمازيغي أشرف على نهايته بعد دسترة وترسيم الأمازيغية، لكن الحقيقة أن القضية الأمازيغية مقبلة على مرحلة أخرى ونضال جديد لدعم المكاسب السياسية والقانونية التي حققتها، من خلال العمل على ترجمة النصوص الدستورية في أرض الواقع، ولعل التحدي الأكبر في هذا الإطار هو تعميم تدريس اللغة الأمازيغية عبر كل بلديات الوطن، إضافة إلى تدوين وتوثيق الموروث الشفهي وإخراج الثقافة الأمازيغية من الشفاهية والفولكلورية الشعبية (التي حاولوا طبعها بها) إلى عالم النشر والأكاديمية والرقمنة الالكترونية وتكنولوجيات الاتصال الحديثة.

لكنه، لا أستبعد “استفادة النظام الحاكم من ذلك، وتوظيف الأمازيغية بشكل فولكلوري شعبوي، ومحاولته إفراغ القضية الأمازيغية من شحنتها النضالية، ولو لفترة هدنة قصيرة، وبعدها سنكون على موعد مع ذكرى الربيع الأمازيغي في كل سنة لنجدد الروح النضالية، يقال ما يعطيه اليد اليسرى يعمل بالقوة والخداع على استرداده باليد اليمنى، فما يمنح يسهل استرداده، عكس ما ينتزع بالنضال والتضحيات، لذا لا أعتقد أن النظام سينجح في افراغ الحركة الأمازيغية من معناها النضالي، ولا أعتقد أنه سينجح في تهدئة الشارع الأمازيغي مهما فعل، لأنه لم يعطي شيء بل كل المكاسب الأمازيغية تمت انتزاعها بالنضال والتضحيات.

*في نظركم ما هو الدافع الأساسي الذي دفع أنظمة بلدان شمال إفريقيا للتنكر للبعد الامازيغي ؟

إن الحديث عن المواقف العدائية والسياسات الإقصائية والتنكرية للأنظمة الحاكمة لبلدان شمال إفريقيا للهوية الأمازيغية، لا بد من العودة ولو بشكل مختصر إلى الحركات الوطنية التحررية إبان الحقبة الاستعمارية، وما صاحبها من اغتيالات وتصفيات جسدية للمناضلين ذو توجه أمازيغي، بتواطيء من السلطات الفرنسية الاستعمارية ومصر الناصرية، لتبسيط وتفريش طريق الحكم لقيادات متأثرة بإيديولوجية مشرقية فاشية ومتأثرين بالنظام اليعقوبي الفرنسي، وتعاملوا بعنف شديد مع كل الميولات الهوياتية واللغوية الأمازيغية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نعرف جيدا أن دول شمال إفريقيا عاشت إرهاصات المد العروبي، فكانت منذ منتصف القرن العشرين مسرحا لتجاذبات عدة (فرنسية) و(عروبية)، فقد وظف الإسلام السياسي بنجاح لتمرير فكرة القومية العربية واخترقت صفوف القطاعات والمنابر الأكثر احتكاكا بالجماهير الشعبية، مثل منابر المساجد والزوايا، المدرسة والتربية، الإعلام والثقافة…، هذا ما ساعد على فرض هوية مؤدلجة مصطنعة لا تمت بصلة لواقع هوية المجتمع، والتي تتبنى الأحادية في كل شيء، دين واحد، حزب واحد، لغة وثقافة واحدة، بالإضافة إلى ترسيخ ثقافة شخصنة السلطة وعبادة الشخصية، فكل هذا فرض أدلجة وإيديولوجية المدرسة، الشيء الذي أدى إلى تكوين وتشكيل نخبة تكن عداء شديد لكل ما له صلة بالهوية والثقافة الأمازيغية والتعددية الثقافية ومبادئ حقوق الانسان والديمقراطية واللامركزية الحكم…

“من المصادفات الغريبة أن النظامين الجزائري والمغربي، يتعارضان في كل شيء، إلا أنهما يلتقيان في طريقة محاربة وقمع الأمازيغية والتعاطي مع مطالب الحركة الأمازيغية”

* هل يمكن المقارنة بين تعامل النظامين المغربي والجزائري مع المطالب الأمازيغية؟

من المصادفات الغريبة أن النظامين الجزائري والمغربي، يتعارضان في كل شيء، إلا أنهما يلتقيان في طريقة محاربة وقمع الأمازيغية والتعاطي مع مطالب الحركة الأمازيغية، ففي المغرب فمنذ “الظهير البربري” سنة 1930 أصبحت الأمازيغية طابو وانبنت الحركة الوطنية المغربية على مواجهة ونكران البعد الأمازيغي، نفس الشيء حصل في الجزائر بعد نشوب ما سمي بـ: “الأزمة البربرية” سنة 1949، وقبر كل مطلب ثقافي لغوي أمازيغي، بل وصل حد تخوين كل من يقول أنا أمازيغي، استمر هذا الوضع العدائي لكل ما هو أمازيغي في النظامين لعقود من الزمن، ومع بداية الثمانينات، فرضى الأمازيغ أنفسهم كقوة سياسية واجتماعية بنضالاتهم وتضحياتهم، وإن لم يعترف النظام الجزائري بالأمازيغية واستمراريته في انتهاج سياسة العنف المادي والرمزي ضد كل ما له صلة بالهوية الامازيغية، في حين انتهج النظام المغربي سياسة أقل عنفا من نظيره الجزائري، وهذا راجع إلى طبيعة المسار التاريخي لتشكيل الدولة في كل النظامين.

وكما نلاحظ كذلك، طريقة استجابة النظامين الجزائري والمغربي للمطلب الأمازيغي، كأننا نعيش تسابقا بين النظامين أيهما يحسب له الأسبقية، ولو في الحقيقة هو التعامل مع الامازيغية كورقة سياسية للمزايدة أو لحسابات سياسوية، فبعد تأسيس المحافظة السامية للأمازيغية في الجزائر سنة 1995 بعد إضراب المحفظة، تبعتها المغرب بتأسيس المعهد الملكي للأمازيغية سنة 2001، كذلك حصل مع دسترة الأمازيغية، فبعد أحداث 2011 استبقت المغرب إلى ترسيم اللغة الأمازيغية، وتبعتها الجزائر بنفس القرار سنة 2016، بالإضافة إلى ترسيم يناير كيوم وطني في الجزائر، مما يجعلنا ننتظر نفس القرار في المغرب الشقيق.

* أين الحراك الأمازيغي من الحراك الجزائري الرافض لاستمرار بوتفليقة في الحكم؟

إن ما تزخر به الحركة الأمازيغية من رصيد نضالي وتجربة ميدانية، وقيم ثقافية وروحية واجتماعية، يجعلها من مظاهر الوعي الثوري السلمي، الشيء الذي يواكب الحراك الذي تشهده الجزائر، فالحركة الأمازيغية خزان ثوري لكل النضالات من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان وبناء دولة الحق والقانون، وهو ما يؤكد مسلمة أثبتها التاريخ، وهو أن الثورات التي تتجه نحو بناء دولة الحق والقانون هي التي تضمن حلا ديمقراطيا جذريا لقضايا الهوية.

ويبقى على الحركة الأمازيغية أن تعمل على توسيع دائرة النضال السياسي والنشاط الثقافي وعدم التموقع في منطقة واحدة، هذا من جهة ومن جهة أخرى، على الخطاب الأمازيغي أن يعمل على تصحيح المفاهيم والصور المشوهة عن حقيقة المسألة الأمازيغية، والعمل على إرساء ثقافة المواطنة وترسيخ الوعي الديمقراطي وبناء مجتمع تسوده ثقافة التعاون والتآزر.

* كلمة حرة لـك؟

في الأخير، أقول مازالت أمالنا متعلقة بشعبنا الأمازيغي الأصيل، كما يقول دائما أحد رواد نهضتنا الأديب والكاتب الأنثروبولوجي المرحوم “مولود معمري”، “إنني أبقى متأكدا من أنه على رغم من الصعوبات التي يصنعها التاريخ أمام طريق الانعتاق والحرية، فإن شعبنا سيكون مع الشعوب الحرة الأخرى”، هنا وجب التأسيس لضرورة الفعل الأكاديمي والعلمي والنشاط الثقافي الأمازيغي المؤثر والمرتبط بالجموع الأمازيغية، والمبني على رؤية إستراتيجية واضحة وفلسفة المواطنة الديمقراطي من أجل تحقيق تمازغا الكبرى.

شاهد أيضاً

مكناس. أساتذة ومهتمون يُناقشون “إكراهات” تدريس الأمازيغية

أجمع عدد من الأساتذة والمهتمين على أنّ ملف تدريس الأمازيغية بالمغرب، يعيش مشاكل كثيرة و”ضبابية” ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *