إلى المخرج محمد بوزگـو: العنوانُ، يا صديقي، تمويهٌ وتعهّـــدٌ..

جمال أبرنوص*

أزول، وبعدُ

لا أريد أن أتـوارى خلفَ ذريعةِ ممارسةِ الانطباع، كما يفعلُ الكثيرونَ خِـشيةَ الانجرار إلى حلبة السّجال، ولا أن أمارسَ “أستاذية” وأنتصبَ معلـما يوجّـه غيرَه إلى لزوم الاحتذاء بقالب أو نموذج جاهز. أنا متلقّ يربطه بالسينما مقدارٌ ملائم من الألـفة، تتيحُ له الحديث عن بعض الدلالاتِ التي تنطوي عليها هذه الصّنعة. لذا فإن رسالتي إليك ليست خاطرةً أوحت بها إشارةٌ عابرةٌ أو شرارةٌ مفارقة للوعي، ولكنها مُحصّلة تأمّـل وتدبّر هادئين. وإني لا أراك إلا مشجّعا إياي وغيري على طلب الهدوء والحكمة، ومجافاة المزاجية والانفعال.

يدعوني إلى مكاتبتك ما عاينتُـه لديك من إصرار على استدعاء الذّاكرة المحلّـية في أعمالك التلفزية والسينمائية، ومن حرصٍ على الاستقاء من معين جراحنَا وأحزاننا الجماعية. لقد جعلتَ من سرديات الممانعة الريفية موضوعاً لكثير من أعمالك الدرامية، وإني أقول “موضوعا” على سبيل التجاوز، فأنت أعلم مني ألا رجاحةَ في اختزال الإبداع الحكائي والتّـصويري إلى مواضيعَ مُـحدّدةٍ على نحو ما يجري، عادة، في حالة الإنشاءات الفكرية المختلفة.

لن أخوض، هنا على الأقل، في مضامين هذه الأعمال من زاوية النظر الفنية التي تعتني بمعمار الحكاية ونسيج الدلالات التي تحفُـلُ بها المَشَاهدُ على نحو جزئي أو كلي. نظيرُ هذا العمل، صديقي، يستحق مقالات نقدية عديدة تحتفي بالجزئيات، وترصدُ التفاصيلَ والعلاقاتِ، وتقتضي استدعاء عُـدّة خاصة من المصطلحات “التقنية”، وهو عمل تستطيع أن تخمّـنَ، مثلي، طبيعته الجافة التي قد يَـمُجّها السينيفيليون أمثالُـك، فبالأحرى متتبعون وقرّاء لا يشدّهم إلى السينما شغفٌ مستقرّ.

تتـبّعتُ، قبل أشهر، إعلانَ الكثيرين عن خيبة أفُـقِ انتظارهم، وهم يشاهدون شريط “خميسُ 1984″، مثلما تتـبّعتُ ردَّك الدفاعي عن اختياراتك الفنية، وتبـرُّمَك من سُخط السّاخطين. لقد قالوا قولَهم، وقلتَ قولَـك، وانفضَّـت الجلبة، واستمرّت الأرضُ في الدوران.. وإني أرى أن زمناً ملائما قد انصرم على ما جرى من سجال.. أمـدٌ يكفي لنزع الحُجُب على العيون، ويذيبُ صدودَ الخواطر، ويتيح النظرَ إلى الماضي بما يقتضيه العقل من هدوء ورويّة.

يجدرُ بي أن أظل قريبا من المعاني والأشياء، وأن أتجه توّاً إلى مصدر سوء التفاهم الحاصل. لقد انتقيتَ لشريطك المذكور عنوانا يحيلُ على جرحٍ جماعي نازف، بل يشير إليه إشارةَ الحصـر والتعيين، لذا أرجو أن تَصْدُقـني القولَ إن قرارَكَ تسميةَ إحدى شخصياتك “خميساً”، من باب التورية البلاغية، لا يضيفُ إلى جوهر الخلافِ معنى ولا تمييزا ذا بال. أنت في قلب الجُرح وبؤرة الـذاكرة، ولو شئتَ التّحويمَ من بعيد فقط، لانتقيتَ عنوانا آخر تقيـمُ به علاقة شعرية مع محتوى شريطك، أو أي علاقة أخرى لا ينشأ عنها تعهّـد ضمني أو صريح أو هما معا.

إن كثيرا ممن جاؤوا لمتابعة الشريط، إنما فعلوا ذلك بِـنِــيّة مشاهدة عمل يتحدث عن أحداث الخميس الأسود. نعم، الخميسُ الذي سيخطر على بالك وأنت تقرأ هذه الرسالة، لا يعرفون، طبعا، ما الذي سَتَــتفتّـق عنك نباهةُ المخرج، ولا كيف سيُخاتل بالقصّة والصّورة والحوار أو كيف سيجعلُ الرّمزَ طُـعماً لاصطياد المعنى والأثر، لكنهم يعرفون حدود الملعب، وقوانين اللعب، وهم لذلك قانعون بِـبَصيص المُتاح، لا يقبلون، بأي حال، تحميلك مسؤولية عدم اجترائك على تجاوز سقفِ سرديات تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة.

أو ليست خيبتهم تحصيلَ حاصل؟ إنهـم معذورون، فعلا، وهم يُساقون إلى بؤرة حكائية ثانية غير التي استُدرِجوا لأجلها، وإلى شريط يجعلُ من الفجيعة الجماعية المذكورة ذريـعةً وشرارةً لسرد قصة أخرى مغايرة. نعم، أقول على سبيل الجزم إنها قصّـة أخرى غير ما يُـفضي إليه عنوانك الذي ارتضيته، حتى لو حُـمّل القصدُ على فيضِ الإيحاء، وفُـتح مصراعُ التركيب الرّمزي لإيجاد العلاقات بين العنوان وقصة الشريط، وجُـعل التأويل صيداً مباحاً بغير مانع ولا رقيب.

وإني أظن أن خيبـتهم كانت ستكون أخفَّ لو جاء الشريط بعنوان آخر، ولم يكن فاتحةَ الأشرطة التي تقترب من أحراش الموضوع الدّامية، أو لو لـم يكن هذا العمل من كتابتك وإخراجك. لقد حرصتَ، صديقي، على تطعيم إبداعاتك الكتابية والتصويرية بشُحنة التزامٍ لا تُخطئها نباهة القارئ والمتفرج. وأدعوك، هنا، ألا تسير بدلالة لفظ الالتزام أبعدَ مما يعنيه سارتر إذ يقول: “الالتزامُ عندي تحويل ما أحسّه، وما أفكّـر به إلى شكل أدبي وإلى شكل كتابة”.، بحيثُ تنبثق الآثارُ الإبداعية تتويجا لمشاعر ورؤى فردية صادقة، لا استجابة لمطامع انتهازية، ولا خضوعاً لقوى ومحركات خارجية، سواء أكانت ذوات أم مؤسسات.

لست أدعوك صديقي، بحديثي عن الالتزام، إلى تبني سينما دِعائية، تنتصرُ لوجهات نظر تاريخية على نحو اختزالي يقابل الخير بالشر، ولا أن تجعلَ من الفنّ حلبةً موازية لممارسة والدعوة والتبشير الإيديولوجيين، بل إلى جعل العنوان في قلبِ هذا الالتزام، تحويلا لفكر وإحساس نابعين من الذات، ألم يخبركَ إحساسٌك أنّ عنوان “خميس 1984” سيرسمُ أفق انتظار مفترض؟ وأنك تعرضُ من خلاله ميثاقا ضمنيا تلتزم فيه بجعل الحدث التاريخي المعلوم في قلب الرؤية والقصدية؟

لقد جعلتَ عناوين مجمل أعمالك، فيما عاينت [ميمونت، ايبيريتا، النيكرو]، تعيينية تشير بالأصبع إلى شخصياتٍ وأحداثٍ واقعية من صميم الذاكرة الريفية، بل وجعلتَ هذه الشخصياتِ والأحداثَ في خضمّ محكياتِـك التصويرية؛ حينا داخل بؤرة الفعل الحكائي، وحينا على جنباتها لتبرير الصّراع وتطوير خيط الأحداث.

يبدو، إذا، أن نزوعَـك هذا ركنٌ مؤسّسٌ لاختياركَ الفنّي الذي يسيرُ على شفير الذّاكرة الجمعية، وتوجّهٌ يكشفُ عن تصورك الخاصّ لغائية الإبداع وقصديته ومشروعية ممارسته. السيرُ في هذا الطريق شاقّ وملهمٌ ومحفوفٌ بجملة مخاطـر ومدعاةٌ لغير قليل من الاحتياطات، لأنه توظيف لمُـمتلكات رمزية مشتركة، قد يؤدي عدم التحــوّط إزّاءها إلى الظهور بمظهر من يسعى إلى تبخيس قيمتها أو تثمينها، تنفيذا لإملاءات أو جلباً لمصالح أفراد وجماعات. لاحظ معي، صديقي، أن استعمل لفظ “التوظيف”، بدل لفظ “المُـتاجرة”، لأني أربأ بك عن هذه المذمّة، رغم ما أراهُ حوالـيّ من الجُــموع الغـفيرة التي لا تتحرّجُ، مطلـقا، في الرّقصِ على المآسي والجراحِ، والتي لا تخجلُ مثقالَ ذرّة من المُـتاجرة العلنية في ذاكرتنا المشتركة.

ختاماً، أجدُ المقامَ مناسباً لعرضِ مثلٍ جعله د. م. هارت عتبةً لكتابه الذائع عن طباعٍ الريفيين، يقول: “الــدّمُ لا يُـباع ُولا يُـرهنُ.”، وإني في تمـامِ اليقينِ أنّـك تشاطرُني القـولَ والظّـنّ: “والدّمــعُ أيضاً.”

تقبّــــل مروري، وتَحايايَ.

*أستاذ باحث- كلية الآداب، وجدة

شاهد أيضاً

أسئلة الاستقلال عن الحقيقتين الأمنية والإعلامية

ليس من حقنا أن نعترض على حلول الإعلامي محل الفاعل السياسي والفاعل الحقوقي في فضح ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *