أخبار عاجلة

4 مغالطات شائعة عن الأمازيغ في الجزائر والمغرب

يعدّ الأمازيغ من بين الشعوب التي تُثير فضول جيرانهم العرب للتعرّف على عاداتهم وثقافاتهم المختلفة، ويتمركز الأمازيغ بشكل رئيسي في دول شمال أفريقيا، في كل من غرب مصر إلى ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا بالإضافة إلى كل من مالي والنيجر، ويتحدّثون اللغة الأمازيغيّة بلهجاتها المختلفة، كالقبائلية والتارقية والشلحية والميزابية وغيرها. في التقرير التالي سنتحدّث عن أبرز أربع مُغالطات شائعة عن الأمازيغ، والتي ربما تؤدي في كثير من الأحوال إلى تكوين صورة ذهنية عنصرية سائدة ضدهم

1-«يُعادون اللغة العربيّة»
قد يعتقد البعض أنّ حديث الأمازيغ باللغة الأمازيغيّة جعلهم يعيشون عُزلة لُغويّة عن محيطهم وعداءً اتجاه اللغة العربيّة، لكن الواقع المُعاش والتاريخ الطويل يدحض هذه الفكرة تمامًا، فمع وصول الاسلام إلى شمال أفريقيا واعتناق سكّانها له، انتشرت معه اللغة العربيّة التي تعلّمها الأمازيغ وأتقنوها وألّفوا بها كتبهم وإسهاماتهم العلميّة.
ليس هذا فحسب، بل إنّ العديد من عُلماء النّحو من مُؤلّفي المراجع اللغوية التاريخيّة كانوا من الأمازيغ، من بينهم ابن المعطي الزواوي، العالم النحويّ وأوّل من ألّف في عِلم النحو عن طريق نظم الأبيات الشعريّة من خلال قصيدته «ألفيّة ابن المُعطي» الشهيرة التي لا بُدّ أن يطّلع عليها كل دارس للنّحو العربيّ، وهي القصيدة الشعريّة التي جمع فيها ابن المُعطي قواعد اللّغة، والتي سبقت «ألفية ابن مالك» لابن مالك الطائي الجيانيّ؛ وقد أثنى ابنُ مالك على عمل ابن المعطي الزواوي في أولى أبيات ألفيّته بقوله:
وتقتضي رضى بغير سُخطٍ فائقةً ألفيّة ابن مُعطٍ
وهو بسبق حائزٌ تفضيلا مستوجبٌ ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافرة لي وله بدرجات الآخرة
بالإضافة إلى ابن المعطي الزواوي الذي ينحدر من منطقة زواوة ببجاية الجزائريّة وألفيّته، يعرف دارسو النّحو متنًا آخر هو «الآجروميّة» لصاحبها ابن آجرّوم، العالم النحوي المغربي من قبيلة صنهاجة الأمازيغية. لكن في المُقابل عرف ملفّ اللغة الأمازيغيّة توتّرًا بين المُدافعين عنه وبين السُلطة السياسيّة في كلّ من المغرب والجزائر بعد الاستقلال، إذ لم ينُصّ دستور البلديْن في البداية على أيّ وجود لها، كما تعرّض العديد من النشطاء المُدافعين عنها للسجن والقمع في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
مؤخرًا تغيّر تعامل الأنظمة السياسية اتجاه هذه القضيّة، إذ بادرت الجزائر سنة 2001 بدسترة اللغة الأمازيغيّة باعتبارها «لُغة وطنيّة» عقِب مُظاهرات «العروش» في ذات السنة التي خلّفت عدّة قتلى. وفي سنة 2011 ومن خلال الإصلاحات السياسيّة التي أجراها الملك المغربي محمد السادس لتفادي أحداث الربيع العربي، نصّ دستور 2011 على أنّ اللغة الأمازيغية رسميّة، وذلك في الفصل الخامس الذي نصّه: «تعد الأمازيغية أيضًا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء».
التعديل الدستوري الذي أجرته السلطة الجزائرية سنة 2016 اتّخذ نفس مسار المغرب، إذ نّص الدستور الجديد في مادته الرابعة: «تمازيغت هي أيضًا لغة وطنيّة ورسميّة».
وشرعت المدارس الجزائريّة في تدريس اللغة الأمازيغيّة بشكل تدريجيّ؛ إذ تهدف وزارة التربية والتعليم إلى الوصول إلى تدريسها في ولايات الوطن الثمانية والأربعين في سنة 2019، في انتظار بدأ أعمال أكاديميّة باللغة الأمازيغيّة من أجل الفصل في الحروف التي ستكتب بها رسميًّا؛ إذ أنّ هنالك انقسامًا ثقافيًّا واستقطاب أيديولوجيًّا بالنسبة لهذه النُقطة بين المُطالبين بكتابتها بالأحرف العربيّة كون أنّ أكثر من نِصف كلماتها لها أصول عربيّة، وبين المطالبين بكتابتها بلُغة التيفيناغ القديمة التي تعود آثارها إلى آلاف السنين، بالإضافة إلى تيّار آخر يطالب بكتابتها بالحروف اللاتينيّة.
ويتمركز الناشطون في ملفّ الأمازيغيّة بصفة خاصة في منطقة تيزي وزو وبجاية، ويمكن تلخيص مطالب الناشطين الأمازيغ في موضوع الّلغة بإعادة الاعتبار للأمازيغية وتدريسها في المدارس الوطنية وفتح تخصّصات في الأدب الأمازيغي في الجامعات، واستخدامها في التعاملات الحكوميّة كالإدارات والمحاكم وغيرها، وإعطائها مساحة وحضورًا أكبر في المجال الثقافي والهويّاتي، كما يرون بأنّ سياسة التعريب التي انتهجتها السلطة السياسية بعد الاستقلال وتغييب الأمازيغيّة قمعًا لهويّتهم ومحوًا لتاريخهم الطويل.
بينما لا يقتصر الجناح المتطرّف من الحركة الأمازيغيّة ممثّلاً في حركة «الماك» المُطالبة بالحُكم الذاتي لـ«منطقة القبائل» والقريبين فكريًّا منها على هذه المطالب فحسب، إذ يعتبرون العربيّة لُغة دخيلة ومفروضة بالقوّة على السُكّان الأصليين (الأمازيغ) من طرف العرب الوافدين من شِبه الجزيرة العربيّة، وتشهد بعض المناطق تشويهًا لللافتات المروريّة المكتوبة بالعربيّة ومسيرات تُحمل فيها أعلام الحركة الانفصاليّة، كما نُظّم في بعض مدارس المنطقة قبل أسابيع قليلة إضراب شارك فيه طُلّاب المدارس من خلال مقاطعتهم للدراسة ولدروس اللغة العربية «إلى غاية تعميم تدريس الأمازيغيّة» حسبما نقلت وسائل إعلام جزائريّة، لكن لا يمكن تعميم هذه المطالب على كافة الأمازيغ أو القطاع الأكبر منهم في البلاد.

2-«يُعادون الإسلام»
ينتشر اعتقاد عند بعض العرب المشارقة بأنّ الأمازيغ في شمال أفريقيا يدينون بالمسيحيّة، وقد يرجع ذلك بسبب الأخبار التي تنقلها وسائل الإعلام عن جهود التبشير والتنصير في المناطق ذات الأغلبية المسيحيّة كـ«منطقة القبائل» في الجزائر. كأيّة مدينة جزائريّة أخرى، عندما تدخل «منطقة القبائل» ذات الأغلبيّة الأمازيغيّة فتوقّع وجود المساجد والزوايا قرب كلّ حيّ أو تجمّع سكنيّ؛ إذ يوجد بالمنطقة أكثر من 800 مسجد، و20 زاوية، ومئات المدارس القرآنيّة. بالإضافة إلى ذلك فإن للمنطقة تاريخًا عريقًا مع الطُرُق الصوفيّة وزواياها التي تنتشر في جبالها وقُراها، أين يتعلّم الطلّاب القرآن الكريم وأحكامه، وتسيّر الكثير منها بتبرّعات السكّان دون أيّ إعانات حكوميّة، كما أنّ المنطقة كانت منذ الفتح الاسلاميّ قبل 14 قرنًا منارة علميّة في مختلف الفنون الدينيّة، خصوصًا في مدينة بجاية.
كما أخرجت المنطقة فقهاء مشهورين أمثال أبي الفضل المشداليّ الذي تخصّص في الفقه المالكيّ، وشيوخًا متصوّفين مثل: أبي مدين شعيب الذي عاش في بجاية، إحدى مراكز العلم في «المغرب» آنذاك، والذي شارك رفقة متطوّعين من نفس المنطقة في معركة حطّين الشهيرة تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي في حربه ضد الجيوش الصليبيّة من أجل تحرير مدينة القدس، وبفضل شجاعة الشيخ واستبسال أتباعه في الحرب؛ أوقف ابن صلاح الدين الأيّوبي منطقة كاملة في مدينة القدس تُعرف اليوم بـ«حارة المغاربة».
وتشهد منطقة القبائل بالخصوص احتفالات وأجواء خاصّة في المناسبات الدينيّة المتنوّعة تختلط فيها العادات الأمازيغيّة التقليديّة بالعادات الاسلاميّة، خصوصًا في مناسبات المولد النبويّ الشريف وعاشوراء ورمضان، حيث تنتشر في كثير من المناطق الأمازيغيّة عادة «الوزيعة» («ثمشرط» بالأمازيغية)، إذ يجتمع أهل القرية الواحدة ويذبحون عدّة أبقار أو خرفان، ويجري توزيع لحومها على الفقراء والأغنياء على حدّ سواء في جوّ من البهجة والتعاون وإشاعة روح المودّة بين السكّان، ورغم أنّ عادة «الوزيعة» ترجع إلى ما قبل دخول الاسلام إلى المنطقة؛ إلا أنّ اندماج الثقافات وتلاحُمها حوّلها إلى مناسبة تجري في المواعيد الدينيّة.
وتشير عدّة أبحاث تاريخيّة إلى أنّ فترة الاستعمار الفرنسيّ قد شهدت تركيزًا خاصًا في جهود التبشير في منطقة القبائل؛ وذلك من أجل عزلها عن محيطها العربيّ والاسلاميّ وتأجيج الفرقة بين القبائل الأمازيغية وغيرهم من جيرانهم العرب، بغية تسهيل مهمّة الاستعمار من أجل التحكّم في مكوّنات المجتمع الجزائريّ وبسط سيطرته عليه.
3-«الأمازيغ أقليّة عرقيّة»
لا يمكن اعتبار الأمازيغ في شمال أفريقيا أقليّةً عرقيّة، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار التعريف الأكاديمي لـ«المجموعات الأقليّة» التي يصفها د. ريتشارد شافر في كتابه «العنصر، العرقية والمجتمع» بأنّها: «مجموعة يملك أعضاؤها تحكّمًا وسُلطة أقلّ على حياتهم مُقارنة بأعضاء مجموعة الأكثريّة». ومِن المُلاحظ أنّ هذا التعريف لا ينطبق على الأمازيغ في شمال إفريقيا، إذ جرى انصهار بينهم وبين العنصر العربي بشكل كبير من خلال المُصاهرة والعيش المشترك وتقارب الثقافات لدرجة عدم التفرقة بين الطرفين لا في المظهر ولا في اللسان، خصوصًا وأنّ أغلبية ذوي الأصول الأمازيغيّة يتحدّثون العربيّة بطلاقة إلى جانب اللغة الأمازيغية، وبالتالي فقد تحوّلت الأمازيغيّة إلى «ثقافة» أكثر منها عِرقيّة.
على المستوى الشعبيّ، لا يُلاحظ وجود صدامات عرقيّة وعنصريّة بين العرب والأمازيغ بحسب الانتماء العرقي في كل من الجزائر والمغرب إلاّ فيما ندر، ولا توجد خانة للعِرق في بطاقة التعريف مثلاً، كما أنّ العلاقات بين العناصر العرقيّة المختلفة نادرًا ما تشهد توتّرًا أو أعمال عُنف على أساس عنصريّ لعلّ أبرزها التوتّرات التي تشهدها منطقة غرداية في الصحراء الجزائريّة بين العرب الشعانبة وبين الميزابيين الأمازيغ.
بالإضافة إلى ذلك فإن تواجد أشخاص يُنسبون إلى الأمازيغ في الإدارة والمناصب العليا في السُلطة أمر شائع، ويُلاحظ وجود العديد من الوزراء ورؤساء الحكومات في الجزائر، لعل أبرز مثال يتبادر للذهن هو الوزير الأوّل الجزائري الحالي أحمد أويحي.
رُغم ذلك فإن المناطق التي يغلب عليها انتشر السكان الأمازيغ عانت من صدامات قويّة مع السُلطة في السنوات السابقة؛ كانت أبرزها في منطقة تيزي ووزو التي شهدت موجة احتجاجات منذ سنة 1980 عُرفت بـ«الربيع الأمازيغي» عقِب منع السُلطات المحليّة للأستاذ الجامعي والناشط السياسي مولود معمّري من إجراء مُحاضرة حول الشِعر الأمازيغي، وهو ما أثار موجة سخط في عدّة مناطق جزائريّة ضد ما اعتبروه قمعًا للأمازيغ وفرضًا لسياسة تعريب قسريّ، بالإضافة إلى ذلك فقد كان يُمنع حينها تسمية المواليد الجُدد بأسماء أمازيغيّة، وهو الإجراء الذي تقول السلطات الجزائريّة أنه انتهى تمامًا.
أما في المغرب فقد شهدت منطقة الحُسيمة ذات الأغلبيّة الأمازيغيّة احتجاجاتٍ واسعة فيما عُرف باسم «حِراك الريف» ضدّ ما يُعتبرونه إقصاءً ممنهجًا من قِبل السلطات المغربيّة، واندلعت الاحتجاجات في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2016 عقب حادثة سحق بائع السمك محسن فكري في شاحنة القُمامة، وهو ما أدّى إلى موجة غضب عارمة من طرف السكّان المحليين وسرعان ما تطوّرت إلى احتجاجات ضد الأوضاع المُزرية التي يعيشها الريف المغربي.
وقد عادت القضيّة إلى الواجهة بعد الأحكام القضائيّة التي وُصفت بالقاسية ضد قادة الحِراك، أبرزهم ناصر الزفزافي الذي حُكم عليه رفقة زُملائه بالسجن 20 سنة.

4-«الأمازيغ انفصاليّون»
عادة ما تُستخدم اتهامات «المطالبة بالانفصال» ضد الأمازيغ من طرف الدوائر القريبة من السُلطة السياسية في بلدان المغرب من أجل تشويه النشطاء السياسيين في تلك المناطق وعزلهم عن الطبقات الشعبيّة وقمع حراكهم ومطالبهم في مهدها، وهو ما حدث مع «حِراك الريف» وأحد أبرز قادته ناصر الزفزافي، فبعد اتهام المحكمة له بالنزعة الانفصاليّة أجاب: «إن اتهام الحراك بالانفصال مجرد ذريعة لثنينا عن كشف اللوبيات المافيوزية.. لقد أظهرنا بفضل شجاعة الحراك، أن نزاعات سياسية كانت وراء التعثر في إنجاز مشاريع إنمائية».
من غير الدقيق الحديثُ عن نزعات انفصاليّة للسكان الأمازيغ بمجملهم في دول شمال أفريقيا، خصوصًا إذا عرفنا أنهم ينتشرون في كلّ المناطق من السواحل الشماليّة إلى الصحراء، رُغم ذلك فإنّ بعض الحركات الانفصاليّة تحاول التغلغل في الأوساط الشعبيّة داخل المناطق ذات الأغلبية الأمازيغيّة في الجزائر، من بينها حركة «الماك» المُطالبة بتقرير المصير لـ«منطقة القبائل» التي تشهد في السنوات الأخيرة زخمًا وانتشارًا تدريجيًّا في بعض الأوساط الشبابيّة والجامعيّة، ويقود الحركة فرحات مهنّي، المغنّي السابق والناشط السياسي المستقرّ في فرنسا الذي يلقى دعمًا من بعض الدوائر الفرنسية والإسرائيليّة، إذ كان مهنّي قد زار إسرائيل سنة 2012 والتقى نائب رئيس «الكنيست» الإسرائيلي وصرّح للصحافة الاسرائيليّة بأنّ «البلدين (يقصد إسرائيل ومنطقة القبائل) يشتركان في نفس المسار، الفرق هو أن «إسرائيل» موجودة بالفعل». وأضاف مهني للصحيفة الاسرائيليّة: «النساء القبائليات لا ترتدين الحجاب، والقبائليون الذين يُقيمون في فرنسا لم يشتركوا في حملة تقنين الحجاب. القبائل أُعجِبوا سريعًا بالقيَم الفرنسيّة، من بينها الحريّة والعِلمانيّة» وختم مهنّي حواره بقوله: «الحريّة للقبائل، والخلود لإسرائيل». وقد أثار جدلاً واسعًا مؤخّرًا حين طالب سكّان «منطقة القبائل» بتشكيل ميليشيات مسلّحة للتصديّ وحماية أنفسهم من السلطة الجزائريّة التي يعتبرها استعماريّة.
*المصدر: ساسة بوست

شاهد أيضاً

انطلاق الدورة العاشرة للمهرجان الوطني للمسرح الأمازيغي بالجزائر

انطلقت مساء اليوم 13 الخميس دجنبر 2018، فعاليات النسخة العاشرة للمهرجان الوطني للمسرح الأمازيغي بالمسرح ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *