يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 8)

اغتيال عباس لمساعدي بين واقعية الجريمة السياسية والتأويلات المغرضة

عباس لمساعدي الرافض لتحزيب أعضاء جيش التحرير والمقاومة المسلحة

ولد محمد بن عبد الله لمساعدي المعروف بالحركي عباس سنة 1920 بمنطقة “تيزرين” “أيت عطا” بإقليم زاكورة من أب عطاوي (صحراوي) والذي كان له إلمام بالفقه، وأم زيانية إسمها خدوج، وقد انتقل إلى مناطق زيان وعباس ما يزال صغيرا مع شقيقتيه “عائشة وإيطو”، وكان الوالد إماما بمسجد سيدي احيا أو ساعد، جنوب مدينة خنيفرة داخل قبائل أيت سخمان بزعامة معمى ن فاسيت (معمى ولد الفاسية) ابن موحا اوحمو الزياني الذي انجبه مع زينب الفاسية التي أتى بها من فاس سنة 1886، عندما دعاه الحسن الأول لزيارة المدينة، والإبن الوحيد الذي كان له العداء المباشر مع القوات الفرنسية، لكونه تمكن من اغتيال القبطان Taillade (تايلاد) في شهر اكتوبر 1917 في منطقة إسرفان عندما حدد الإثنين موعد انضمام معمي وأشقائه إلى الجيوش الفرنسية، في إطار الإغراءات التي تم تقديمها لأبناء موحا أحمو قصد التخلي عن أبيهم، وبمجرد وفاة القائد (مقتل القائد موحا أوحمو) فر معمي نحو الصحراء، ثم المنطقة الاسبانية في شمال المغرب، حيث استقر به الحال بالقصر الكبير خوفا من الانتقام الفرنسي إلى أن وافته المنية هناك. وبحكم ما أحس به المقاومون من دبيب اليأس في النفوس ومن الحزن والمرارة أمام قوة العدو الجبارة وتفوقه المادي الهائل، بعد أن تبين للشجعان أن شجاعتهم صارت غير ذات مفعول في هذه المنطقة الأطلسية المحصورة وخاصة بعد موت القائد، وبحكم أن المستعمر قد ضايقهم أكثر فقد اضطروا إلى مغادرة المكان (سيدي احيا أو ساعد) وبأمر من القائد “معمى ن فاسيت” توجه المقاومون إلى الاقاليم الصحراوية ومعهم الإمام (والد عباس) وعائلته، وعمر الصغير عباس لا يتجاوز أربع سنوات، لكن شاءت الأقدار أن يموت الفقيه في الطريق، دون أن يصل إلى الأقاليم الصحراوية، وأمام هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها المعنيون مع أسرهم من جراء نقص المؤونة وصعوبة الجبال إلى جانب الهجومات التي يتعرضون لها من قبل الجيوش الفرنسية، أمر القائد (معمى ن قفاسيت) زوجة الفقيه بالعودة إلى سيدي احيا أو ساعد هي وأبناؤها، لأنها لم تعد تخشى  أي شئ، حاملة معها أغلى كتب التاريخ والفقه المكتوبة بالصمغ والتي من خلالها تضلع منذ الصغير عباس، في تاريخ يؤلم بأحداثه والحروب التي خاضها المغاربة ضد المستعمر، كما عايش بنفسه مرحلة الاستبداد والقهر الممارسين على المغاربة، خاصة بعد اخضاع القبائل الأمازيغية بالحديد والنار، وفرض الواقع المر نفسه على المقاومين، وقد قوى عباس من شخصيته بعد تلقيه الدروس في الفقه والتاريخ وخاصة منه الشفوي الذي هو عبارة عن قصص تحكيها الأمهات أو من خلال الشعر، حيث كانت “تاوكرات” رائدة في هذا المجال، التي كانت تعيش في قبائل أيت سخمان في أغبالا، وبعد أن شدد عليها المستعمر وأصبح يطاردها شدت رحالها إلى تونفيت لتواصل الشاعرة المقاومة مع رجال “ايت يحيا”, وبحكم هذه العوامل كلها أصبحت تزداد قوة عباس لمساعدي وشجاعته مع التقدم في السن، وبما أنه كان ملما أكثر بالفقه، فقد رحل إلى زاوية أيت اسحاق وبالضبط إلى منطقة “اعبيد الله” من أجل اتمام حفظ القرآن، مصطحبا معه شقيقتيه وأمه خدوج، وبعد أن تمكن من الفقه شد رحاله إلى منطقة مولاي بوعزا الواقعة على بعد 75 كلم على الجهة الغربية من مدينة خنيفرة، ليصبح إماما بمسجدها، حيث سيتزوج بنجلة شيخ القبيلة ولكنه لم يخلف معها.

استغل عباس لمساعدي حياته الفقهية في المسجد لتوعية الناس، وخاصة المتجلية في قداسة القوات الفرنسية للفقهاء والأولياء الصالحين في”المناطق المهدأة”، وبدأت تراوده فكرة إحياء المقاومة المسلحة بشكل منظم في منطقة الأطلس المتوسط التي خمدت بتطويق القبائل الأمازيغية المستعصية أمرها، تطويقا محكما وإغواء القبائل التي تم تدجينها بجميع الوسائل الترفيهية، وبما أن المنطقة التي حط بها عباس رحاله كانت “مهدأة” بعد أن تحكمت فرنسا بشكل مطلق في المناطق التي يسكنها المقاومون وخاصة بعد موت موحا أوحمو أزايي وانضمام أبنائه للمصالح  الفرنسية، انتقل بعد ذلك عباس إلى ولماس ليشتغل منصب كاتب خاص لقائد المنطقة أحرضان (والد المحجوبي أحرضان)، وقد سئم عباس من العيش معه وشد رحاله مرة أخرى إلى مولاي بوعزا ليتمم عمله النضالي وكثرت تحركاته بعد أن تمكن من التنسيق بين أبناء القبائل وخاصة الشباب الأمازيغي المتعطش لتحرير بلاده. إلا أن زوجته لم يرقها ذلك، محتجة على أفواج الشباب التي تزوره في بيته، وبسبب إزعاجها بهذه الزيارات واللقاءات السياسية المتكررة، أخبرت والدها (شيخ القبيلة)، إلا أن عباس نفى أمر هذه اللقاءات السياسية أمام “الشيخ” معتبرا إياها مجرد زيارات ودية لتقديم الهدايا، وتكرار خلافاته الزوجية أدت به إلى توريطه من طرف شيخ القبيلة في تهمة أعتقل على أثرها بالسجن الفرنسي يالدار البيضاء، وهنا التقى بالعديد من المناضلين الأمازيغيين وخاصة منهم الريفيين الذين سجنتهم فرنسا لإثبات انتمائهم للمقاومة، وإلى السجن كانت تصلهم أحوال المقاومين وتحركاتهم بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي المتواجد بالقاهرة، وقد بث الحماس في السجناء، وتشبث بضرورة التصدي للمستعمر كيفما كانت الظروف، وبعد أن تم الإفراج عنه ظل مقيما بالدار البيضاء في منزل الروداني إلى جانب الزرقطوني، لكن ظل على اتصال مباشر بالكثير من المقاومين إلى أن استشهد رفيقه، وهناك تزوج للمرة الثانية.

وانتقل بعد ذلك إلى القاهرة، حيث يتواجد محمد بن عبد الكريم الخطابي ليتلقى بعض التداريب وقد تأثر عباس لمساعدي بالأحداث التي عاشها وتعيشها بلاد شمال افريقيا، وظل على اتصال بزوجته حيث كتب إليها العديد من الرسائل.

التحق عباس مع باقي المقاومين: الدكتور الخطيب، عبد الله الصنهاجي، حسن برادة، سعيد بونعيلات، الغالي العراقي، صفي الدين احمد، المذكوري والمدني والفراني بمدينة تطوان لتأسيس قيادة مكلفة بالريف والتنسيق مع الجهات الأخرى وخاصة على صعيد جهات شمال افريقيا…. وقد تمكنوا من تكوين المقاومين في مراكز لتدريب المدنيين على يد بعض الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، معتمدين في المرحلة الأولى على حرب العصابات التي وضع أسسها الأمير عبد الكريم الخطابي، العارف لسهول وجبال هذه المنطقة، ونظرا لتميز جبال الريف الشرقي بظروف ملائمة لتنفيذ هذه العمليات السرية، فقد تركزت جل التنظيمات هناك متخذة من المثلث الجهنمي أكنول، تيزي وسلي وبورد قواعدا لها بزعامة عبد الله الصنهاجي وعباس لمساعدي اللذين تكلفا باستقبال السلاح والإشراف على توزيعه على زعماء القبائل الأمازيغية بشكل منظم، وقد كان عباس منسقا يمتاز بالخفة والذكاء بين القيادات المسلحة في المنطقة الشمالية الشرقية، وقد وضعه عبد الله الصنهاجي في شهادته من ضمن أعضاء قيادة المقاومة السرية في المنطقة الشمالية الذين هاجروا من الجنوب إلى تطوان، كما يضعه في المرتبة الثانية بعده مباشرة  في التسلسل القيادي لمؤسسي جيش التحرير بالناظور وبحكم التزام عباس باتفاقية مدريد التي شارك فيها، فقد استطاع التنسيق بين كل الحركات التحررية في شمال أفريقيا، حيث كانت حركته أكثر وقعا بين القيادة التحررية الجزائرية بزعامة محمد بوضياف وقيادة الناظور، ليصبح المسؤول الثاني ليس في قيادة الشمال الشرقي في المغرب فحسب، بل على مستوى القيادات التحررية على بلاد شمال أفريقيا كلها. وبحكم إيمانه القوي بواجب تحرير البلاد، فقد طرق الأبواب في جميع الجهات للاستفادة من خدمات جميع الغيورين على الأرض الطاهرة، ومن جديد اتجهت أنظاره الى تلك المنطقة التي ترعرع فيها، وبدأت اتصالاته مع العديد من المقاومين الفزازيين (الأطلسيين) قصد التنسيق بين المقاومة في الريف والأطلس، إلا أن التواجد المكثف للجيوش الفرنسية في جبال الأطلس جعلها متأخرة شيئا ما، إضافة إلى وقوف العديد من الزعماء السياسيين من حزب الإستقلال سدا منيعا أمام هذا التنسيق الذي رأوا فيه الإقصاء التام لزعامتهم، وبالتالي فضح سياستهم التي أودت بالمغرب إلى هاوية ما يزال يحاول الخروج منها، ولكون هذا التنسيق ستكون زعامته بالدرجة الأولى في يد رجال جيش التحرير الذي أبلوا البلاء الحسن في المعارك البطولية ضد منفذي الحماية والرافضين لإخضاع وتبعية الجيوش التحريرية لحزب الاستقلال، ولا لأي حزب سياسي آخر. وهكذا توسع المجال الحربي إلى مثلث كبير بورد، إيموزار مرموشة، تافوغالت….، فإلى حدود أكتوبر 1955 تمكنت القبائل الأمازيغية في منطقة فزاز من التنسيق بالريف وخاصة منه الشرقي.

واعتبر عباس الرجل المسؤول عن هذا التنسيق المحكم، وتمكن من معرفة نوايا العروبيين عن طريق الاحتكاك بهم ميدانيا انطلاقا من الإشاعات والإدعاءات الكاذبة التي زرعوها في صفوف المواطنين مستغلين بذلك المساجد والزوايا، بحيث لا تخلو خطبة ما من التمجيد بحزبهم “الاستقلال” إلى حد زرع خرافة مفادها أن الحزب هو حزب يجب تقديسه عن طريق أداء القسم بعدم التخلي عنه كيفما كانت الظروف.

إن عباس لمساعدي شخصية قوية الذاكرة والمطامح، إذ أنه كان يتنبأ من خلال الأحداث ذاتها، لمستقبل المغرب، إذ سبق له أن عبر عن خطورة الحسن اليوسي على مستقبل المغرب وسرعان ما تحقق نبؤته. شخصية مثل عباس لمساعدي فقدتها الساحة المغاربية، كما فقدت محمد بن عبد الكريم الخطابي، نظرا لمبادئه القوية في مساندة الكفاح المسلح إلى حين تحرير دول شمال أفريقيا كلها، واعتبر من الأوائل الذين شعروا بمخططات الاستقلاليين التي رمت بالمغرب في هاوية منذ بداية الاستقلال الصوري.

وبعد اغتياله انهار جيش التحرير، كما أن موقفه من الأحزاب السياسية كان واضحا، بحيث عبر أكثر من مرة عن عدم صلاحية هذه الخلايا السياسية لبلد اسمه المغرب. كان ذا شخصية كاريزمية في أوساط المجتمع الأمازيغي الذي فضل تحرير البلاد عوض توقيع وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي تجعل التحرريين في موقف ضعف.

 العالم الأمازيغي عدد 16 فبراير 2002

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 1): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 2): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 3): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 4): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 5): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 6): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 7): من هنا

شاهد أيضاً

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 12 والأخيرة)

هل كان المهدي بنبركة جاسوسا للمعسكر الشرقي؟ نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية، في عددها الصادر ما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *