يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 5)

فاظمة ميمون، أرملة المغتال: مليشيات المهدي بن بركة المقيمة آنذاك بالجزائر ورفاق بن بلا هم من قاموا بإغتيال زوجي

كيف تلقيت خبر إختطاف واغتيال زوجك؟

عقب ثلاثة أشهر عن تقطع أخباره، منذ زيارته للجزائر بداية شهر رمضان عام 1964، جاءتنا في زيارة خاصة إمرأة ريفية مستقرة هي وزوجها بالجزائر، وكانت العائلة نفسها هي التي نزل في ضيافتها محمد زوجي، أفادتنا المرأة بخبر إختطافه، وأن أربعة آخرين من مرافقيه، أفرج عنهم، في حين ما يزال مصير زوجي مجهولا. وبينما كان محمد معتاد على تناول فطور رمضان بمنزل العائلة، يخرج بعده للقاء أصدقاء جزائريين، وفي الليلة التي اختفى فيها، كان على موعد مع جماعة مغربية من المعارضة المقيمة بالجزائر، حينئذ ذهب ولم يعد. أما بخصوص خبر اغتياله، فلم نتأكد من ذلك، رغم الأخبار التي كنا نتلقاها من حين لآخر تفيد ذلك، إلا أثناء الزيارة التي قام بها أبنائي، إلى الجزائر، تلبية لدعوة المرحوم محمد بوضياف عام 1992، لما تولى رئاسة الجمهورية الجزائرية، كانت الزيارة رسمية، استقبلهم السيد الرئيس بمراسيم الإستقبال المخصص لعائلات الرؤساء، وفي موكب “للموطاريست”، والزيارة دامت ثلاثة أيام، حينها، أخبرهم المرحوم بوضياف أنه بذل كل ما في وسعه لإجراء بحث وتحقيق بخصوص مصير محمد لخضير، ولم يجد له أثر، اللهم، الخبر الذي تلقاه، في ذلك الحين الذي كان فيه مطاردا من طرف نظام أحمد بن بلة، والذي يفيد أن الميلشية العسكرية التي اختطفته، والتي يوجد فيها مغاربة، قد فجرت جسده، بقنبلة وضعتها له بجيبه وهو معصوب العينين واليدين بإحدى المزارع بضواحي الجزائر العاصمة.

وما هوية المغاربة الذين شاركوا في عملية اغتيال زوجك؟

عساكرة بنبركة الموجودين بالجزائر ورفقاء بن بلة، هم من قاموا بذلك.

وماذا كان رد فعل السلطات المغربية؟

أسابيع عن اختفائه، استدعى بوليس المنطقة، عمي لخضير، والد محمد، وأجرى معه تحقيق بشأن هذا الإختفاء، آنذاك أجاب من استدعوه “ليست لدي أية معلومة، وكل ما أعرفه، أن إبني قد ضاع مني” و”هو اللي حاط ليكم الطبسيل في المائدة، ومشا”. أما على مستوى الرباط، فلا ندري، ما إذا تم التحرك بخصوص التحقيق في اختطاف واغتيال زوجي. وكل ما نرغب فيه الآن، سواء من السلطات الجزائرية أو المغربية، هو إجراء تحقيق في هذا الحادث المؤلم، سيما وأن محمد لخضير، قدم أعز ما عنده للمقاومتين المغربية والجزائرية، وكنت شريكته آنذاك، في سرية تخزين السلاح بالمنزل، قبل أن تتم تعبئته في الصناديق لتوجيهه إما لجبهة التحرير المغربية أو لنظيرتها الجزائرية، وذلك دون علم والديه بالأمر، بعد تهريبه من مدينة مليلية، وإيواء مقاومين جزائريين ومغاربة، وقد قضى محمد عقوبة حبسية بمليلية بدعوى شراء سلاح مسروق من الثكنات الإسبانية.

لقد أصبت بإحباط شديد، وأنا أستقبل خبر مقتل زوجي، وقلت في نفسي، كيف للقاتل أن يتناسى التضحيات التي قدمها محمد في سبيل استقلال الشعوب المغاربية. خصوصا وأن الرحلة تمت إلى الجزائر، بأهداف إنسانية وأخوية، هو البحث عن وسائل لإيقاف حرب الرمال بين الشعبين والإقتتال الذي دارت رحاه بين أبناء شعبين شقيقين، قاوما معا، وأصبح مصيرهما مشتركا. ما ألم زوجي كثيرا، هو معاتبة والده، لما اشتعلت حرب الرمال في أكتوبر 1963، قائلا إياه “واش عرفتي السلاح للي عطيتي للدزارية، هما تيستعملوه باش إقتلوا المغاربة”. ولما توصل برسائل من أصدقائه الجزائريين، تدعوه إلى ضرورة معالجة الحرب الأهلية في الصحراء، وكانت زيارته للجزائر، في ذلك الوقت العصيب، أثارت حنك من أشعلوا فتيلها.

المقاوم محمد عبد الله الحموتي: الإنتماء الريفي لمحمد لخضير كان يزعد الإتحاديين والريفيون فضحوا سياسة أصدقاء المهدي بنبركة

كيف تلقت العائلة خبر اختطاف واغتيال محمد لخضير؟

كان محمد لخضير قد نزل ضيفا على عائلة عبد السلام الغماري المغربية التي كانت مقيمة بالجزائر، هاتفني يوم 11 نونبر 1964، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره، إلى أن توصلنا بخبر اختفائه من طرف زوجة عبد السلام الغماري، التي جاءت في زيارة خاصة للمغرب، بعدما أفادت العائلة بمعلومات، تؤكد أن محمد لخضير كان يعقد لقاءات، بعد فطور شهر رمضان مع أصدقاء جزائريين، وفي ليلة 13 نونبر 1964، خرج للقاء بعض المغاربة المقيمين بالجزائر، ولم يعد. 

وماذا كان موقف القصر من هذا الحدث؟

لقد سبق للحسن الثاني أن استدعى محمد لخضير، مرارا، إلى القصر، وذات مرة قضى 3 ايام في الرباط، كانت لقاءاته مع مسؤولين مغاربة تنصب حول قضية حرب الرمال. ولما اقترح محمد لخضير على الحسن الثاني القيام بزيارة إلى الجزائر للتباحث مع بعض المغاربة المقيمين بالجزائر، نهره الحسن الثاني، ولما شدد على الأمر، رد عليه الملك بأنه عليه أن يتحمل مسؤوليته في هذه الزيارة ذات الخطورة على حياته وخاصة في تلك الفترة التي طبع فيها التوتر العلاقات المغربية الجزائرية. وقال له: “إلا مشيتي دبر لراسك”، فرغم أن الزيارة كانت رسمية، إلا أن القصر لم يوفر له الضمانات الضرورية للقيام بهذه المهمة الدبلوماسية والإنسانية.

من تحملونه مسؤولية اختطاف واغتيال محمد لخضير؟ هل للنظام الجزائري؟ أم للمغاربة المقيمين بالجزائر المتواجدين آنذاك في صف المعارضة؟

إن محمد لخضير كان على معرفة جيدة بالقيادة الجزائرية، بحكم انتمائه لجيش التحرير الجزائري، أحمد بن بلا ( ولد البلا) وكذلك هواري بومدين (محمد ابراهيم بوخروبة)، هذا الأخير الذي قاد انقلابا على حكم الأول، وآخرون، وهم على معرفة جيدة بمحمد لخضير، الجندي الإفريقي. ويطرح ألف تساؤل عن الاسباب الحقيقية وراء اغتياله، ومن الجهة المنفذة للجريمة، هل القيادة الجزائرية، التي استضافتها عائلة المغتال، بداية الخمسينات ببني انصار، سيما وأنه أصبح فيما بعد عضوا في جبهة التحرير الجزائرية، وخاطر بنفسه بتهريب السلاح من مليلية إلى معاقل المقاومة بالأراضي الجزائرية؟ أم أن وراء الجريمة أعضاء من حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، بزعامة المهدي بنبركة، الذين كانت إقامتهم بالجزائر مشروطة بمساندتهم للحكام الجزائريين في حرب الرمال؟ وبدون شك فإن الطرفين كانت لهم مصلحة في هذا الإغتيال، وبما أنه لا يمكن للمغاربة المقيمين بالجزائر القيام بشئ من هذا القبيل، دون علم النظام الجزائري الذي يحتضنهم بذلك، كما أن النظام الجزائري هو الآخر، لا يمكنه القيام بذلك الإغتيال، إلا باستشارة أولئك المغاربة. ومن تم، فمن المؤكد أن هذا العمل الشنيع اقترفته أيادي عصابة ممثلة للطرفين معا.، سيما وأنه بعد انشقاق حزب الإستقلال وتأسيس الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، من طرف الجناح الراديكالي للحزب العتيد، كانت التصفيات الجسدية التي استهدفت أعضاء المقاومة وجيش التحرير، قد وصلت أوجها، علاوة على أن الإنتماء الريفي لمحمد لخضير كان يزعج الإتحاديين، من خلال أحداث الريف ما بين 1958 و1959، وقبلها اغتيال عباس لمساعدي يوم 27 يونيو 1956، بعد أن رفض هذا الأخير التوقيع على بياض لبنبركة بما مفاده “أن حزب الإستقلال كان يمول جيش التحرير المغربي”، كما أن الريفيين قد لعبوا دورا كبيرا في فضح سياسة أصدقاء المهدي بنبركة. كما ساهموا في تشويه سمعة الإستقلاليين من خلال نقل جثمان عباس لمساعدي إلى الريف. علاوة على تهريبهم لحسن اليوسي في اتجاه اسبانيا، بعد متابعته من طرف المحكمة، بتآمر من قادة حزب الإستقلال. حينها اخبرنا الخطيب أن الإستقلاليين قد سجنوا محمد الخامس، وعلينا إعلان الحرب على الحزب، حيث صعد الريفيون إلى الجبال. لقد تكلف بحراسة حسن اليوسي ثلاثة ريفيين، بعد إخفائه في زي امرأة، وقد قيل للريفيين أن الغرض من زيارة اليوسي لمليلية هو إدلائه بتصريحات صحفية لفائدة إذاعة إسبانية، إلا أن الأمر لا يتعدى الهرب من بطش الإستقلاليين. كما أن المقاومون قد تلقوا السلاح في كل من الناظور والحسيمة، وحينها وقع إنزال عسكري بقيادة ولي العهد ووقعت أكبر مجزرة في تاريخ الريف. أيكون محمد الخامس في ذلك الحين، قد ساند إبنه أم لا؟ هذا أمر لم نكن نعرفه “كنا تنكولو فين محمد الخامس، ودابا الحكومة ما كايناش”، بحكم أن الفوضى قد سادت البلاد.

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 1): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 2): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 3): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 4): من هنا

شاهد أيضاً

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 12 والأخيرة)

هل كان المهدي بنبركة جاسوسا للمعسكر الشرقي؟ نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية، في عددها الصادر ما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *