أخبار عاجلة

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 4)

ظروف اغتيال الجندي الإفريقي

أكد مقاوم من كبدانة، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن محمد لخضير من رجال المقاومة البارزين في جيشي التحرير المغربي والجزائري وليس من الطبيعي أن تبقى قضية اغتياله لا تثير البحث والتساؤل، خصوصا وأن الإغتيال ذاته، ليس  بقضية تصفية ذات طابع شخصي، بل إن لها جوانب سياسية وتنظيمية معقدة، ودعا من الذين يتصدون لكتابة تاريخ الثورة أن يتحملوا عناء البحث عن كل هذه الجوانب، وأن يبتعدوا عن الأحكام السطحية.

فعقب ثلاثة أشهر عن تقطع أخباره، منذ زيارته للجزائر بداية شهر رمضان عام 1964، جاءت في زيارة خاصة للعائلة إمرأة ريفية مستقرة هي وزوجها بالجزائر، وكانت العائلة نفسها هي التي نزل في ضيافتها محمد لخضير، أفادتها بخبر إختطافه، وأن أربعة آخرين من مرافقيه، أفرج عنهم، في حين ما يزال مصير المختطف مجهولا. وبينما كان محمد معتاد على تناول فطور رمضان بمنزل العائلة، يخرج بعده للقاء أصدقائه الجزائريين، وفي الليلة التي اختفى فيها، كان على موعد مع جماعة مغربية من المعارضة المغربية المقيمة بالجزائر، حينئذ ذهب ولم يعد. أما بخصوص خبر اغتياله، فلم تتأكد العائلة من ذلك، رغم الأخبار التي كانت تلقتها من حين لآخر تفيد ذلك، إلا أثناء الزيارة التي قامت بها إلى الجزائر، تلبية لدعوة  محمد بوضياف عام 1992، لما تولى رئاسة الجمهورية الجزائرية، كانت الزيارة رسمية، استقبلت العائلة بمراسيم الإستقبال المخصص لعائلات الرؤساء، وفي موكب “للموطاريست”، والزيارة دامت ثلاثة أيام، حينها، أخبرها الرئيس أنه بذل كل ما في وسعه لإجراء بحث وتحقيق بخصوص مصير محمد لخضير، ولم يجد له أثر، اللهم، الخبر الذي تلقاه، في ذلك الحين، عام 1964، الذي كان فيه هو الآخر مطاردا من طرف نظام أحمد بن بلة، والذي يفيد أن الميلشية العسكرية التي اختطفته، والتي يوجد فيها مغاربة، قد فجرت جسده، بقنبلة وضعتها له بجيبه وهو معصوب العينين واليدين بإحدى المزارع بضواحي وهران.

“لقد أصيبت بإحباط شديد، وأنا أستقبل خبر مقتل زوجي، وقلت في نفسي، كيف للقاتل أن يتناسى التضحيات التي قدمها محمد في سبيل استقلال الشعوب المغاربية. خصوصا وأن الرحلة تمت إلى الجزائر، بأهداف إنسانية وأخوية، هو البحث عن وسائل لإيقاف حرب الرمال بين الشعبين والإقتتال الذي دارت رحاه بين أبناء شعبين شقيقين، قاوما معا، وأصبح مصيرهما مشتركا”، تقول أرملة المغتال. قبل أن تضيف “ما ألم زوجي كثيرا، هو معاتبة والده، لما اشتعلت حرب الرمال في أكتوبر 1963، قائلا إياه “واش عرفتي السلاح للي عطيتي للدزايرية، هما تيستعملوه باش إقتلوا المغاربة”. ولما توصل برسائل من أصدقائه الجزائريين، تدعوه إلى ضرورة معالجة الحرب الأهلية في الصحراء، وكانت زيارته للجزائر، في ذلك الوقت العصيب، أثارت حنك من أشعلوا فتيلها”.

عصابات المهدي بنبركة وأحمد بن بلة في قفص الإتهام 

وعن هوية المغاربة الذين شاركوا في عملية اغتيال محمد لخضير، أشارت أرملته، باصابيع الإتهام إلى عصابات المهدي بنبركة الموجودة بالجزائر ورفقاء بن بلا، باعتبار هذه الجهات من تقف وراء اغتيال زوجها. وأن هذه الجريمة التي نفذت في الأراضي الجزائرية من طرف مجرمين مسخرين، والتي دبرتها تلك الأطراف التي ليست لها مصلحة في عودة الهدوء إلى العلاقات الجزائرية المغربية، خصوصا بعدما اتخذت المعارضة المغربية الجزائر معاقلا لها، وهو الهدوء والسلم الذي كان يسعى إليه الشهيد من خلال زيارته للجزائر.

أما بخصوص رد فعل السلطات المغربية، أسابيع عن اختفائه، استدعى بوليس المنطقة، لخضير، والد محمد، وأجرى معه تحقيقا بشأن هذا الإختفاء، آنذاك أجاب رجال البوليس بأنه “ليست لديه أية معلومة، وكل ما يعرفه، أن إبنه قد ضاع منه”، مضيفا “هو اللي حاط ليكم الطبسيل في المائدة، ومشا”. ما عدا ذلك، لم تقم الرباط، بأي تحرك يذكر بخصوص هذا الإغتيال، ولم تصدر ولو بلاغ رسمي، حتى ولو أن الأمر يتعلق بملحق بالديوان الملكي. اللهم التحقيق الذي فتحته الداخلية المغربية بخصوص أسباب زيارة عائلة لخضير للجزائر أثناء تولي محمد بوضياف رئاسة الجمهورية الجزائرية.

وقال محمد بوضياف، مصرحا للعائلة، حول قضية اغتيال إبنها الذي كان قد تعرّف عليه لأول مرة بمدينة الناظور، حينما كان محمد لخضير يرواح عمره 20 سنة، وتمتّنت الصداقة بينهما قبل إلقاء القبض على بوضياف وتحويله إلى السجون الفرنسية هو وزملاءه الأربعة يوم 22 أكتوبر 1956 في حادثة اختطاف الطائرة. وكشف محمد بوضياف أن المشاكل بدأت بعد اتضاح إرادة محمد لخضير ورغبته الجامحة في مزاحمة القيادات التاريخية الكبيرة التي فجّرت قضية الحدود المغربية والجزائرية وطموحه العلني والمتزايد في ضرورة إخماد مؤامرة الحرب بين الجارين، وخلق المشكل ذاتها، بخلفيات الاستحواذ على القيادة والتربع على قمة هرم السلطة، بعدما تشكلت لدى أعضاء من الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المستقرة بالجزائر قناعة بأنها المؤهلة والجديرة بالقيادة، بحجة تفوق أطرها في المستوى الثقافي، مقارنة ببقية الأطر والقادة الشعبيين. وتبعا لذلك انطلقت شرارة المشاكل والصراعات والنزاعات حول السلطة، سواء في المغرب أو في الجزائر، وظلت تشتعل لغاية الوصول إلى طريق مسدودة دفعت القيادات المناوئة لخط المقاومين المغاربيين المتشبثين بإعادة السلم للمنطقة، لكونها لا تحتمل أي حروب أهلية، ووضع حدّ لمسلسل النزاع على السلطة الذي بات يهدد وحدة القيادة، دفعتهم إلى اتخاذ القرار الحاسم بوجوب تصفية طموحات أي مفاوض بشأن النزاع حول الصحراء، وهذا بتقرير اغتيال محمد لخضير سرا، الذي كان قد رحل إلى الجزائر رفقة أربعة مغاربة آخرين، للتباحث حول خلفيات الإقتتال في الصحراء، وفي فترة الغموض التي سادت بين العلاقات المغربية الجزائرية، ليتم بعدها تنفيذ السيناريو بإحكام بعد استدراج الجزائر والتستر على العملية بنجاح، ولم تتوصل العائلة بخبر اغتيالة إلا أشهر عن ذلك. وكل ما تطالب به العائلة، تقول أرملة محمد لخضير، سواء من السلطات الجزائرية أو المغربية، هو إجراء تحقيق في هذا الحادث المؤلم، سيما وأن زوجها، قدم أعز ما لديه للمقاومتين المغربية والجزائرية.

زيارة لخضير الأب للجزائر بحثا عن إبنه وعودته هاربا خشية اغتياله

في سبعينيات القرن الماضي، لما تولى الهواري بومدين رئاسة الجمهورية الجزائرية، ذهب الوالد لخضير الحموتي، في زيارة خاصة به، وكان الرئيس على معرفة جيدة بعائلة لخضير، منذ أن نزل، في الخمسينيات ضيفا على العائلة ببني انصار. لقد حذرته العائلة، مخافة أن يكون مصيره في عداد المفقودين، وأن ينضاف هو الآخر إلى إبنه المغتال. واستنادا إلى ما صرح به، فقد رفض محمد لخضير هاته الزيارة، واقترح عليه اطلاع وزير الداخلية المغربي بلعالم في الموضوع، وهو ما تم فعله، إلا أن وزير الداخلية تبرأ من أية زيارة قد يقوم بها لخضير، بحثا عن إبنه بالجزائر، وأجابه الوزير “إلا تمشي ما نعرفوكش ما تعرفنا، دبر راسك”، وهي نفس العبارة التي سبق وأن قالها لإبنه محمد.ولما رجع إلى الرباط لاطلاع العائلة على موقف وزارة الداخلية من الزيارة، يقول محمد عبد الله، قلت له “أنت تعرف الجزائريين، خداعين وقتالين”. لكنه لم يكترث للأمر وذهب على متن سيارة خاصة صحبة ابن أخيه، عيسى الحموتي، وكان المدعو عبد العزيز المقيم بسويسرا، الذي لا يتذكر المتحدث إلينا إسمه الكامل، وهو من أصدقاء العائلة، لما توصل بخبر سفر لخضير إلى الجزائر، إستقال طائرة من هناك، واصطحبه إلى مقر الرئاسة، حيث كان على موعد مع بومدين.  وبمجرد ما وقعت عينا الرئيس على لخضير، بدأ يردد: “أعمي لخضير، مرحبا”، وبدأ يتذكر حسن ضيافته من قبل العائلة، وحسب عبدالله دائما، نقلا، عن لخضير، قال له “أنت رئيس الدولة، ويمكن للخطأ أن يقع، وما أريده منك هو أن تطلق سراح إبني، إن هو ما زال على قيد الحياة، أو تسليمي جثمانه”. وأن الهواري بومدين، رد على لخضير بقلق شديد، أنه يجهل أية معلومات بشأن مصيره، إلا أنه حمل له المسؤولية في ذلك، خصوصا وأن الهواري بومدين، كان في عهد بن بلة مسؤولا على قطاع الجيش، وأن رئاسته للجمهورية، لم تأت بالصدفة، بل لمعرفته الدقيقة بما كان يجري من تصفيات جسدية واعتقالات ومحاكمات بالإعدام، وكان كل شئ لا يتم إلا بأمر من كبار المسؤولين. واستمر اللقاء ما يقارب ساعة، على أن يلتحق فيما بعد، لخضير لقضاء ليلته في أحد الفنادق بالجزائر العاصمة، وبعد تناول وجبة العشاء، ألح عبد العزيز على لخضير بأن يعود حالا إلى المغرب، مخافة أن يتعرض ليلا للإغتيال، أو الإعتقال، لأن الطريقة التي أنهى بها الرئيس لقاءه معه، كانت تحتوي على إشارات استفزازية، وحسب المعلومات التي توصل بها عبد العزيز من بعض أصدقائه، فإن رجال الإستعلامات الجزائرية، كانت في انتظار عودة لخضير ومرافقه إلى الفندق لتنفيذ عملية الإغتيال. ولما أشعر بالخطر، اتخذ لخضير الوالد، قرار العودة ليلا، حيث اجتاز الحدود المغربية المغربية الجزائرية، في حدود الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي. ولما وصل إلى المغرب، هاتف بومدين، معتذرا بلباقة لعدم رؤيته من جديد، بعد اضطراره العودة لظروف عائلية.

محمد لخضير أمازيغي مات من أجل السلم بين الشعبين الجزائري والمغربي

في إحدى تجلياته الشعرية يقول شاعر أمازيغي

Xu trun a tenna mi yghab umedda,

dda-d yaghul

Adj aghrib i tenna ghifs iruran iselli d wacal.

وهو حال الراحل محمد لخضير الذي فارق الحياة نتيجة عملية اغتيال آثمة وهو في أوج عطائه، وكان المؤمل أن ينجح في الحصول على اتفاق بين الجزائريين والمغاربة لوضع حد للحرب التي دمرت علاقتهما السياسية والدبلوماسية، كما حصل عليه في السابق، لما كان عضوا في جبهة التحرير المغربية الجزائرية، ولكن يد الغدر قضت على أحلامه في تغيير وجه البلدين الجارين، فالتعصب الذي تميزت به العلاقات بين البلدين، منذ انتشار العنف الذي أججته التوجهات الإيديولوجية والاستبداد العسكري بالبلدين لا يحتمل وجود وسيط دبلوماسي متحرر يعمل من أجل حياة عصرية للشعبين الغارقين في مجاهل التخلف والفقر والامية.

والمؤسف أن حكام البلدين، في ذلك الحين، لم يستلهموا ما حولهم من فلسفات ضاربة في القدم، كي يهذبوا أنفسهم.

إن الراحل محمد لخضير لم يحسب الحساب للجذور التي نما منها المجتمعين السياسيين المغربي والجزائري.

إن السرعة التي اقتحم بها رجل عسكري المحفل السياسي أثار العديد من الأوساط المتزمتة والرجعية في البلاد، وكان الجميع يعلمون أنه رجل شديد البأس عارف بخبايا المؤامرات العسكرية، متعلما تعليما ريفيا يسمح له بالتفوق على أخلاقيات وانتهازية السياسويين، فالنصر كان معقودا له بالتأكيد، لأنه تحمل علامات المستقبل على جبينه الوضاح، ومات من أجل السلم بين البلدين الشقيقين بينما السياسويون شيماء التخلف والإقتتال، حتى داخل البلد الواحد، على جباههم رغم نياشينهم الذهبية وتعاويذهم ومؤامراتهم. كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية وقيادة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، تنظر إليه بعين الريبة، فرفض محمد لخضير الحصول على منصب في الحكومة المؤقتة الجزائرية، جعلت الزعماء يدركون أن دعمه للحركة التحريرية الجزائرية، لم تكن بدافع الحصول على منصب حكومي، وتعيينه ملحقا بالديوان الملكي للحسن الثاني، جعل المعارضين لحكمه من المغاربة المقيمين في الجزائر تحت شروط، يدركون أنه فائز بقصب السبق عليهم لا محالة لإقناع أصدقائه بمزاعم السياسويين والعسكريين من الحكام، لذلك اتحدت إرادات الإستقلاليين الجدد ورئاسة بن بلة التي كان يعرف الراحل مصدر السلاح الذي تستعمله في حربها الرمالية، من أجل تصفيته قبل أن يتم فضح تواطؤات الفاعلين السياسيين والعسكريين في البلدين معا.

رحل محمد لخضير والشعوب المغاربية، بحاجة إلى شخصيات وازنة تقود الوحدة وليس من السهل تعويض هذه الشعوب بفقدانها لمثل هذه الشخصيات، لأنها كانت المفتاح الأول لتفكيك المؤسسات العسكرية والمنظمات المتطرفة والإيديولوجية، إلا أنه دفع حياته ثمنا، لاقتحام عالم المؤامرات، مثلما دفعه سابقا الراحل عبان رمضان. لقد تم ذلك منذ سنوات، حيث كان يحاول أحمد بن بلة إحكام قبضته العسكرية على مفاصل السلطة المدنية، فمنذ قيادته للحكومة العسكرية على الحكومة المدنية، وهو يحيط نفسه بالشخصيات والمتآمرين الذين يتناغمون مع رغبته في الجثوم على كرسي الحكم أطول مدة زمنية ممكنة، إلا أن الهواري بومدين، كان أكثر عسكرية منه. ورغم الوعود التي قدمها باستمرار بشأن استصلاح العلاقات بين البلدين، فإنه ظل هو الآخر، من أشهر الحكام في عالم الإجرام والمؤامرات. إلى حين أن تاريخ الجزائر مليئ بالانتكاسات والسلوك الدكتاتوري للجنرالات وبأحكام الإعدامات والإغتيالات، ومن أشهرهم طاهر جاعوط ومعتوب لونيس وكرماح ماسينيسا.

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 1): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 2): من هنا

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 3): من هنا

شاهد أيضاً

يوميات مقاومة مغتالة لـ سعيد باجي (الحلقة 12 والأخيرة)

هل كان المهدي بنبركة جاسوسا للمعسكر الشرقي؟ نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية، في عددها الصادر ما ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *