كاليجولا لم يمت…

محمد فارسي*

في البداية، و قبل كل شيء، يجب أن نفض غبار التعريف عن هذا المسمى كاليجولا الذي لم يمت بعد، هذا الإنسان الذي حول، بقدر المستطاع، نفسه إلى شبح شرير يعم الأرض، بل الأوقح من ذلك، قاتل من أجل أن يعم الكون. هذيانه، أودى به إلى أن يجلب القمر ويستوطن يديه، يرى المنطق في مزج الجنون بالعبقرية. بالطبع، عبقرية التسلط و الإستبداد إلى حد الثمالة، ربما أن الخمر الروماني له مفعول يجعل منابع الشر تتدفق لتصبح فيضانا يغرق الوجود في دوامة الشر اللامتناهية. كاليجولا الإنسان الوقح، الذي نسج منه الأديب ألبير كامو مسرحية على إسمه مكونة من أربعة فصول، تجعل القارىء مغيظا من هذه الشخصية المريضة، ذات منطق، هدفه، أن يغير منطق الأشياء، أو بالأحرى، أن يغير الطبيعة. سلطته، أودت به أن يغير المألوف، و اللامنطقي إلى منطق، و اللامعقول إلى معقول.

في التيهان الذي يجد القارىء نفسه بين أسطر هذا النص، يرى بأن كاليجولا رغم تنافيه مع الطبيعة البشرية، إلا أن حججه منطقية من موقعه، يدافع عن نفسه باستماتة، و ربما يفرز تعاطفا معه، لكن السؤال الذي يطرح على أطروحة عبثية تحاول أن تسافر في عبثية المنطق الوجودي، هل من الضروري أن تكون السلطة شر؟ ألا يمكن أن تكون السلطة في تثبيت منطق الأشياء بتعزيزها أن تخدم هذا الإنسان التائه في عوالم هذا العالم؟ أو، ربما كامو يريد أن يكشف لنا على أن السلطة لا يجب أن تتزعزع و لا تكف على البحث عن شرعنه أفكارها و ممارساتها، و قدم لنا الأكسيل الذي يجب أن يكون نقيضها، و لا بديل عن هذا الخيار العلمي الذي يوقف فكرة وجود المستحيل، أكسيل التمرد، أو بعبارة أخرى، أكسيل الإيمان و النضال من أجله، الذي يجب أن يتحلى به المفروض عليهم هذا المنطق العبثي.

كاليجولا، الذي ينطبق عليه ذلك القول، أينما وجد الشر فذالك موطني و حياتي. كاليجولا لا يرتاح إلا بين الأموات، يحاول جاهدا أن يحول الجمال إلى قبح، يبحث عن متناقضات الخير أينما حلت. عبقرية كاليجولا جعلته أن يكون الطاعون، وأن يكون أيضا، كارثة وطنية بإغلاق مخازن الغلال ليعلن عن مجاعة في روما. لم ينفك كاليجولا أن ينافس الألهة، بجعل حاشيته من النبلاء أن يعبدوه في طقوس دينية و هو يقف ناظرا إليهم بنظرات ثاقبة تنبعث منهن روائح الإستعباد، صارخا، بأنه فينوس الإله الذي سيقبل دعواتهم و أن يعمل على تحقيقها، لكن ما هو بارع في تحقيقة، هو، فقط، الموت التي لا تجعله وحيدا بعد موت دروزيلا.

هيستريا كاليجولا، جعلته يبحث عن منابع الشر، لا يرتاح، حتى النوم، لا ينام، لأن وحي الشيطان الشرير ينزل عليه في ظلمات الليل، كفرضه الضريبي، و الزيادة في المواد الأساسية، مستندا إلى منطقه الذي يجعل القارىء ينفعل و يضحك في نفس الوقت، لأنه يرى بأن الضريبة بتلك الطرق الرسمية و المعقدة شيء مبتذل، و لا بديل عن السرقة بشكل مباشر و صريح، و كأن كاليجولا يبحث عن الصراحة التي افتقدتها الإمرة و المجتمع، و ارتأى أن يكون صريحا في مآربه و لا بديل عن سياسة مباشرة لا تخضع للمزايدات التي تجعل الشعب في دوامة التحليل و البحث عن ثغرات.

كاليجولا شجاع، لا يهاب أحد، ما دام أنه يرتاح فقط بين الموتى و يستنشق رائحة الدم التي تضخ فيه الحياة. هذيان عبقرية كاليجولا أصدرت مرسوما يفيد بكتابة وصية لتحويل ممتلكات شعب روما إليه قبل مماتهم. كاليجولا الواحد الأحد الذي لا وريث له، سلطته تنادي له بأن يسيطر على العالم و أن يكون له، وحده فقط.

في دوامة هذا النص، و في الفصل الأول، حيث كان كاليجولا غائبا و الكل يبحث عنه بعد موت درزويلا، أخته و عشيقته في نفس الوقت، ربما، يرى القارىء أن سبب تمرده على الطبيعة ناتج عن فقدانه لحبيبته، ربما ! من الجانب النفسي أن يكون طفرة في تحوله إلى هذا المخلوق الشرير، و ربما! أيضا، كامو يحاول أن يكشف لنا عن عبثية هذا الوجود التائه في معرفة وعيه الخالص، و كيف تكون بعض الأشياء الصغيرة في مصير خلق بأكمله.

كامو، حاول أن يستحضر هذه الشخصية التي نقشت إسمها في سجل السلطة العمياء، التي لا ترى و لا تسمع إلا لنفسها، سافر عبر الزمن ليأخذ لنا أنموذجا لم يمت بعد، و لم يحظى بالإنقراض، بل مازال مستمرا في العيش معنا و التحكم فينا، و لن يدعنا، فقط، ما على النقيض الأخر، التشبث بإكسيل الإيمان الذي يجعل المتناقصات في سجال دائم، لكن ما يستشفه القارىء من النص بأن الشر دائم النصر، و أن الأدب الذي يضع الخير في نهاية المطاف، هو النصر الحتمي، يجب إعادة قرائته. كامو يحاول أن يعيد قراءة تاريخ الشر و خاصة اللصيق بالسلطة و الإستبداد، باذلا كل الجهد في أن يعيد منطق الواقعية إلى طريقه الصحيح.

قارىء هذا النص، يجد نفسه في حالة اشتياق للوصول إلى نهاية الفصل الأخير، هل ستكون نهاية لهذا الشبح الشرير، أم على النقيض، إلا و أنه سيجد التمرد قد تم بالفعل، و أن شمس الحرية قد غدت تشرق و الشر سيمحى، إلا أنه سيجد أخر قول يتفوه به كاليجولا لتغلق على إثره الستارة:

Vivant ! Je suis encor
ԑad ddareɣ… necc war tmettiɣ!

هذا النص الذي ألهمني شخصيا، و الذي أنهيت من ترجمته إلى اللغة الأمازيغية و سيكون متاحا في القريب، لأنه بالفعل نص أدبي ذو دلالات عميقة تغوص في هذا الوجود الإنساني المشوه، الذي لم يختر طريقه نحو الخلاص، لهذا، سيكون هذا العمل إهداء إلى كل روح شريرة في هذا العالم إلا حين أن يعي الخير بمهمته في هذه الحياة، و لا يسعنا إلا أن نؤكد على أن المعركة مازالت مستمرة.

* أستاذ اللغة الأمازيغية

شاهد أيضاً

تكريم الأستاذ العدوي الحنفي في اختتام فعاليات مهرجان الرمى

اختتمت ليلة امس السبت 17 غشت الجاري فعاليات مهرجان الرمى في دورته الثالثة ، والمنظمة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *