في نقد ايديولوجيا الإندماج او التوحيد القسري

من عوامل صمود واستمرار الحركات الإجتماعية والسياسية، رغم المد النضالي وجزره، كون المنبع والإمتداد متدفق منذ حركة التحرر الوطني، فلا غرابة اذن، إذا لاحظنا أن هناك جهات تعمل على إقبار كل ما تبقى من روح وطنية ظلت على امتداد التاريخ الوطني تقاوم التدخل الأجنبي والإستعماري، بجميع تلاوينه، وتعمل على التصدي لكل انتاج لشروط التطبيع معه، لذلك وجب التذكير على أن مواجهة الاستبداد داخل الوطن لن تكفي دون مناهضة أخطبوط فساد النظام العالمي وأخطبوطه المالي المدعوم بالوهابية وإقتصاد السوق.

فهل نحن مؤهلون، كشتات للحركة التقدمية، نعاني من صدمة سقوط جدار برلين، وكافة أشكال المنظومات الإشتراكية، من علمية وديموقراطية واجتماعية وقومية ورأسمالية دولتية، هل نملك الأدوات والوسائل التي بمقتضاها يمكن ان نتناول الموضوع من زاوية علاقة الفعل المدني بالفعل السياسي وسؤال الاستقلالية والمسافة الضرورية، وكذا باستحضار إشكاية الإلحاقية أو الذيلية المتبادلة، والتساؤل إن كان لهذا علاقة مباشرة مع التحولات الأخيرة التي أقحمت الدموقراطية التشاركية في تنازع مع الديموقراطية التمثيلية.

فالعمل الجماهيري هندس معالمه الفاعل السياسي، ومنذ الاستقلال كانت التنظيمات الشبيبية والطفولية والكشفوية والثقافية رافدا لمن أسسها، ولاحقا أيضا صرنا نعيش العكس كما يحدث بالنسبة للأحزاب التي صنعتها الإدارة إنطلاقا من تجمعات فكرية أو تنموية، دون أن ننسى أن المنظمات الحقوقية صنعها السياسيون والمعتقلون السياسيون السابقون، ومنها من كان بقرار حزبي صرف وملحقة تابعة، وعانت التنظيمات الشبيبة من أزمة الاستقلالية، ومنها من كان يدعو إلى اعتبارها قطاعا جماهيريا أو قطاعا نصف جماهيريا أو حزبيا متمتعا بنوع من الاستقلال التنظيمي النسبي. إلى درجة أن انعدام الديموقراطية الداخلية دفع العديد من المناضلين إلى مغادرة أحزابهم وتشكيل جمعيات ذات صبغة سياسية ثم تدريجيا تحولت لى تنظيمات حزبية لها رمزها الانتخابي ،،،

فعلا هذا يطرح في الأخير سؤال الفكر الذي صار تابعا للسياسة توجهه عوض العكس، ومهما قيل عن محاولات التحرر من التبعية البيولوجية بقتل الأب، فإن أغلب البدائل لا يمكن أن تنجح في الصمود مادامت الأحزاب نفسها فقدت البوصلة الفكرية ولم تعد تشخص الوضع وترتب التحالفات و التناقضات اعتبارا من تحليل التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية، مما يستدعي رد الاعتبار للتفكير العلمي والنقدي، كحلقة أساسية مفقودة، إضافة إلى تخلي الدولة نفسها عن مسؤوليتها الاجتماعية، استجابة للخارج والمؤسسات المالية الدولية، وتبعتا بعض الأحزاب الديموقراطية التي دخلت دواليب السلطة، في حدود تدبير ما هو مسطر، وكموظفين لدى الدولة، هذه الأخيرة التي كانت صريحة مؤخرا في الإعلان عن كون حلفائها التقليديين قد تخلوا عنها، فكيف لنا كحقوقيين أن نواجه هذا الإشكال المستجد، فالدولة ستصير ضحية؟ ليتبعه سؤال احتمال مواجهة واقع «اللادولة»، ويتكرر من جديد سؤال متفرع منه، ألا وهو جدوى مطلب التعاقد في ظل هذه البياضات، وفي ظل استمرار تصاعد المد المحافظ، الذي لم يترك لنا الخيار سوى الاصطفاف مع أصوليين ضد أصوليين آخرين، بغض النظر عن كون الأحزاب السياسية تعاني من عقدة منافسين آخرين، في المشهد، من بينهم مؤسسات الإعلام ومقاولات الإقتصاد والأذرع الدعوية بصرف النظر عن مؤسسات رسمية أخرى تشتغل بالوكالة، وتحتكر صناعة القرار السياسي بل السياسات العمومية الأمنية؟؟
إذن لا زلنا نعيش تمثلات الماضي وتداعيات النزاع الدفين بين الدولة والتعبيرات السياسية المنحدرة من الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، وما لاحقها من علاقات عنف وعنف مضاد، لم تفلح معه ظهائر الحريات العامة، التي وضعت للمجتمع مقابل وضع السلاح الذي واجهت به الاستعمار، والانخراط في التدبير السلمي للصراع حول السلطة؟

إن هذا ما هو مفترض كتحليل بالنسبة لمن يحللون بعقلانية، والحال ان ما وصل إليه الوضع السياسي والإجتماعي، وما ترتب عنه من تداعيات على المشهد الحزبي أن شتات الحركة التقدمية سيلقى مصيره النهائي إذا لم تؤخذ الأمور بمسؤولية جدية؛ فمن داخل أحزابها من له مصلحة في طمس الهوية واضمحلال التنظيمات، رغبة في تماهي المسؤوليات بخلفية التملص من المحاسبة ومن ترتيب الجزاءات؛ فما ارتكب من فظاعات ومذابح على مستوى الديموقراطية الداخلية؛ اقبح من أعطاب تدبير الاختلاف بمساطر الخلاف والإنشقاق، إلى درجة أن البعض صار يعتبر الوحدة مجرد نزعة ايديولوجية تبرر سيل الإخفاقات وتسوغ للهزيمة المفترضة او المنتظرة، وهناك من يتوسل الموت الرحيم والدفن في “مقبرة” الإندماج الجماعية. في حين أن المطلوب هو إنقاذ الفكر الديموقراطي وتطهيره من استيلاب المغامرة السياسية المؤسسة على نرجسيات نظرية المؤامرة وسلبيات فكر المزايدة المتماهية مع وقائع مأثورة “تمسك غريق بغريق” عوض قصة “وافق شن طبقة” .

شاهد أيضاً

صديقي جمال.. العنوان مهما كان جيدا ومهما كان تمويها لن ينقذ أبدا عملا سيئا

صديقي جمال، صدقني، كنت قد أقفلت باب نقاشٍ محصورٍ في عنوان الفيلم وظل يدور في ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *