أخبار عاجلة

في باب التقائية وتماهي جيوب المقاومة مع الفساد

الاستاذ مصطفى منوزي

كان المجاهد عبد الرحمان يرد على تساؤلات او استفهامات السائلين بابتسامات تختلف حسب المحتوى والسياق، وكانت اغلب ابتساماته مشفوعة بعبارة “صار بالبال”؛ والعبارات الوحيدة التي كان يرددها استثناء تختزل في “الوطن أولا وقبل الحزب أحيانا”، و عبارة “نحن أرسلنا أو تلقينا إشارة قوية”، غير أن العبارة التي استعملها لماما هي “جيوب مقاومة التغيير”.

وفيما يخص معركته ضد الفساد فقد خاضها، خلال الشوط الأول المسمى بمرحلة التناوب التوافقي، بقرارات حقوقية وقانونية عنوانها الأبرز “تخليق الحياة العامة”، تاركا معركة مطاردة الساحرات للشوط الثاني، والمأمول تسميته بالتناوب الديموقراطي، والذي لم يقع، فقد كان واعيا أن الفساد، كما التدين، هيكلي والعنف سيمدد في عمره. والعنف المقصود هو الآتي عموديا، من جيوب صقور بنيات التحكم والأصولية، ومن لوبي مصالح التخالف المالي السائد والحاكم. لذلك اكتفى في الشوط الأول بالدفاع عن ضرورة إقرار الحكامة الاجتماعية والأمنية، من باب تقليص الخسارة وكإشتراط وقائي من الأخطاء القاتلة التي تقع فيها الحركات المعارضة والاحتجاجية والتعبيرات الانتقادية، وهو بذلك كان ضد شخصنة الفساد وتجسيده في الأفراد. فلا غرو ان نجد المؤسسات المالية الدولية تعتبر بأن الدولة الأمة عرقلة كبيرة امام انتشار اللبرالية المتوحشة، وبالتالي كان همها المساهمة في تصدير “الاصلاح والدمقراطية” إلى دول العالم باعتماد شعار محاربة الفساد دون الاستبداد، واستثمار الدين كوسيلة لمنافسة الشرعيات في البلدان التي لم تعش قيم رأسمالية الدولة، فالاصلاح الرأسمالي، كما الأدلجة، فرض عليه ان يحقق نسبة عالية في اختراقه للطبقة السائدة المكونة من البورجوازية الزراعية وبقايا اقطاع والبورجوازية العليا التجارية والمالية والصناعية والعقارية، والبورجوازية العليا الإدارية والعسكرية وكبار الكائنات الإنتخابية. فما هو الدرس الذي كان علينا استخلاصه من سياسة وزير أول على رأس حكومة غير متجانسة، تخترقها مظاهر الفساد وفلول الإستبداد؛ تدبر السلطة التنفيذية الى جانب المؤسسة الملكية؟ لقد كان الوزير الأول حريصا على توسيع صلاحيات مؤسسته، والرهان على انتخابات نزيهة تبوء حزبه المرتبة الأولى، ليحل استحقاق المنصب وما يستتبعه من هامش الاستقلالية والمرونة بدل المنحة وما يرافقه من من !.

لذلك كان الرهان لديه بأنو مطلب اسقاط الفساد سيظل هشا إذا لم يتم ربطه بتصور عام واستراتيجي لبناء التنمية والدمقراطية. إنه درس يستدعي منا اعتبار التحالفات داخل أي بنية، كما داخل الحركات الاجتماعية، مجرد تحالفات تكتيكية سياسية وليست مذهبية أو ايديولوجية، خاصة وأن منظومة الدولة محافظة تحرص وتفضل التكيف في المظهر دون اي تحول في الجوهر، ناهيك عن طبيعة العلاقة مع التيارات الدينية ينبغي أن تراعي الإصطفاف الطبقي وسقف المطالب وأرضيات التأسيس، حتى لا تسقط في النزعة الإنقلابية أو الإنتهازية اليسارية البلانكية التي جرت معها آلاف الضحايا، على امتداد سنوات الجمر، وانتهزها الإنتهازيون اليمينيون فرصة للركوب والإستثمار الإنتخابوي، مما أعطانا نخبة جلها فاسد ومثقفين مأجورين وإعلاميين مسخرين وعملاء للخارج على امتداد التاريخ الوطني الحديث، لضرب كل ما هو شريف في هذا الوطن الغالي. أجهض التناوب الديموقراطي وسيظل سؤال التقييم والتقويم عالقا، فهل يكفي الحماس الذي قد يخبو في أي وقت في ظل تكالب أعداء التغيير وتحاملهم على التظاهر والتعبير السلمي الحضاري، لذلك وجبت اليقظة الفكرية بالتحليل الملموس للواقع الملموس والى ذلك الحين، ينبغي استمرار الدعم الحقوقي والإنساني للحركات الإجتماعية وكذا الحالات النضالية دون وصاية حزبية، لأن التغيير لن يأتي من داخل المؤسسات، ولا على أساس بناء الذوات على الانقاض، ومن أهم العبر ايضا أنه يجب المراهنة على عدم تماهي المطالب الفئوية مع المطالب السياسية، والعمل على التحاق الجماهير بالحراك وليس العكس، لأن إمكانيات التأطير ناقصة وغير نوعية، بغض النظر عن امكانيات الإنفلات أو التوظيف من طرف الجهات المناوئة للعمل الديموقراطي، رغم أنه لا يجب تجاهل الفساد التي استشرى في المجتمع كقيم اجتماعية وثقافية بالموازاة مع تفاقم ظاهرة التطرف العنيف؟ لذلك فنحن بصدد حراك ثقافي لمقاومة التمثلات، لتأطير ما هو اجتماعي وسياسي مفتوح في شكل ثورة سلمية هادئة ومتدرجة، فحذار من أن تعطى الفرصة للمتربصين ومقاومي التغيير ليحولوها الى ثورة “حمراء” بدون محتوي ثوري، نوعي وحقيقي، لكي يربح الفساد الهيكلي عقودا إضافية من الحياة والتمديد، ولقد بادر المناضلون والمناضلات بمقاربة حقوقية وببعد سياسي، منذ سنوات، الى تأسيس العديد من الديناميات ذات الصلة والأهداف بالعمل الإجتماعي والتنمية وكذا العدالة الاجتماعية، إنخرط فيها أغلب أطياف المشهد المدني والسياسي المتعدد، تحاول أن تؤسس لها مرجعية تمتح أساسا مما يوفره الحد الأدنى المشترك، والإقرار بضرورة تبني الهدف السادس عشر ضمن أهداف التنمية المستدامة أي السلام والعدل والمؤسسات القوية، فقد سبق وأن أكدت البلدان المنضوية، خلال مؤتمر ريو +20 عام 2012، أهمية إدراج الحرية والسلام والأمن واحترام الحقوق، مؤكدين أن ثمة حاجة إلى المجتمعات التي يسود فيها العدل والديمقراطية بغية إنجاز التنمية المستدامة، وكذا الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة الجديدة المخصص لتشجيع بناء المجتمعات السلمية الشاملة للجميع، تحقيقا للتنمية المستدامة، وتوفير إمكانية اللجوء إلى القضاء أمام الجميع، والحد بدرجة كبيرة من جميع أشكال العنف وما يتصل به من معدلات الوفيات في كل مكان، وإنهاء إساءة المعاملة والاستغلال والاتجار بالبشر وجميع أشكال العنف ضد الأطفال وتعذيبهم وكذا تعزيز سيادة القانون على الصعيدين الوطني والدولي وضمان تكافؤ فرص وصول الجميع إلى العدالة، والحد بقدر كبير من التدفقات غير المشروعة للأموال والأسلحة، وتعزيز استرداد الأصول المسروقة وإعادتها ومكافحة جميع أشكال الجريمة المنظمة، بحلول عام 2030، والحد بدرجة كبيرة من الفساد والرشوة بجميع أشكالهما وتوسيع وتعزيز مشاركة البلدان النامية في مؤسسات الحكامة العالمية، بغض النظر عن توفير هوية قانونية للجميع، بما في ذلك تسجيل المواليد، بحلول عام 2030.

وكان الرهان على الجهوية كمدخل لتقليص المركزية والتمركز، وهما من سلالة فكر التحكم والثقافة اليعقوبية الموروثة عن حداثة الإستعمار المشوهة، الشيء يؤكد بأن الفساد هو نتيجة وتجلي لسلوكات ومظاهر للاستبداد، واختيارات طبقية تروم تبرير وتسويغ كل مبررات مقاومة التغيير، بدليل أن العقل الأمني، المحلي والدولي، يضحي بحمائم الدول أكباش فداء، حسب كل مرحلة أو سياق، مقابل ضمان استقرار مصالح الصقور ووجودهم. من هنا وجب التفريق بين الحق في القضاء على الفساد وبين واجب مناهضة الإستبداد، باعتبار أن هناك التقائية مقرونة بتماهي هيكلي؛ غير أن أساليب ومقاربات التصدي والمواجهة تختلف، وقد تفيد المقاربة الحقوقية والقانونية والأخلاقية الإنسانية في مناهضة الفساد ولكن دون استراتيجية ثقافية وسياسية، تروم القطع مع الماضي بتحديث الدول ودمقرطة المجتمعات وإصلاح المنظومة الحقوقية الأممية ومؤسساتها، سنظل نواجه المظاهر بدل الجواهر، وهذا يتطلب تأهيل بلورة الأسئلة الحقيقية من خلال توضيح الأدوار والمقاربات وملاءمتها، خاصة في ظل تماهي العمل السياسي مع الفعل الحقوقي، وفق حجم تفاقم الوهم والإستيلاب بأنه يمكن العمل بحذاء الرقص بنفس القدر الذي يمكن أن نرقص بحذاء العمل.

شاهد أيضاً

الهوية المغربية والخطايا الأصلية

“يمكن أن يكون الشعور بالهوية مصدرا، ليس فقط للفخر والبهجة، بل أيضا للقوة والثقة. إلا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *