في “الحركة الأمازيغية” و”اليسار”

د. عبد الله الحلوي

لماذا حاولت جريدتا “الأحداث المغربية” و”المساء” أن توهما قُرّاءهما بأن مسيرة 15 يوليوز هي من صناعة جماعة العدل والإحسان؟

قد يعقِّب القارئ الكريم على هذا السؤال قائلا: “لا عليك من هؤلاء. فالصحافة المغربية فقد مصداقيتها. والصحافة الورقية لم تَعد تساهم في صناعة الرأي العام كما كانت تفعل سابقا في أيام مجدها!”

هذا التعقيب المحتمل صحيح: فكل من حضر مسيرة 15 يوليوز سيلاحظ هيمنة الأعلام الأمازيغية. وكل من يعرف شباب الحركة الأمازيغية وكهولها، سيجدهم في كل مكان في المسيرة. فهم الذين قادوا المسيرة، وهم الذي احتضنوا عائلة الزفزافي، وهم الذين أعطوا للمسيرة زخمها وخصوصيتها. لذلك، فإن القول بأن العدل والإحسان أو غيرهم هم الذين صنعوا مسيرة 15 يوليوز هو نوع من سوء الفهم، في أحسن الأحوال، وعرض من أعراض الخَرف الذي دخلته الصحافة المغربية المكتوبة، في أسوئها. فلا يُعتد كثيرا بأقوالها ومواقفها.

لكن هذا لا يعني أننا لا ينبغي أن نحلل موقف هاته الصحف الورقية المكتوبة لكي نفهمها بشيء من العُمق. فهناك سببان اثنان على الأقل يشجعاننا على هاته الخطوة:
أولهما أن موقف الصحيفتين الذي قرر غض البصر عن الدور القيادي للحركة الأمازيغية مسيرة 15 يوليوز ليس موقفا منعزلا، بل إن السيدة منيب نفسها عبرت عما يشبهه عندما صرحت قُبيل مسيرة اليساريين بمدينة الرباط، تعليقا على انسحاب الحركة الأمازيغية من المسيرة، بأنها ل” تعرف أن هناك من يمثل الأمازيغ” أصلا، ملمحة لوضعية الحركة الأمازيغية غير الموحدة (وهو تلميح صحيح على أية حال لولا أنه يتضمن شيئا من التشفي المعبر عنه بنبرة ديپلوماسية ذكية).

وثانيهما أن موقف الصحيفتين مجرد رأس جبل جليدي يُخفي جبلا عميقا من المواقف العنيفة أحيانا وغير المبالية أحيانا أخرى التي يتبناها سديم الحركات المغربية الميكروسكوپية التي نسميها ب”اليسار” اتجاه عملاق صاعد اسمه الحركة الأمازيغية. فإذا وجدنا موقف الصحيفتين مضحكا، لا ينبغي أن نمر عليه مرور الكرام، بل أن نتوقف عنده شيئا ما لنتعمق في دلالاته ونحلل ما يتأسس عليه من العواطف السلبية المتراكمة في نفوس اليساريين اتجاه “الشوڤنيين” كما يسمون باللغة الروسية ـ لغة “الوحي” عند متطرفي اليسار.

من المؤسف حقا أن السوسيولوجيين ومؤرخي الراهن السياسي لم يجمعوا معطيات دقيقة بعد تتعلق بالنقلة النوعية التي عرفها اليسار المغربي منذ سقوط الإتحاد السوڤييتي، وتفكك الإمبراطورية السوڤييتية، وسقوط جدار برلين، وتوحيد الألمانيتين بقيادة ألمانيا الغربية الليبرالية، وتحول الصين نحو الاقتصاد الليبرالي في التسعينيات، وصعود نجم كوريا الجنوبية الليبرالية في وجه كوريا الشمالية الفقيرة والمتخلفة. فالحقيقة أن هاته النقلة تحمل في طياتها المفتاح الرئيسي لفهم موقف اليساريين من الحركة الأمازيغية وتؤسس للمرجعية المهلهلة الجديدة التي يقيم بها اليساريون علاقتهم بالغير السياسي.

إلا أن كل من عاش هذه المرحلة بشيء من القرب، قد يلاحظ مجموعة من المعطيات أجملها في ما يلي:
1ـ لقد كان سقوط الإتحاد السوڤييتي المدوي صدمة قوية لم يكن يتوقعها اليسار المغربي. فالإتحاد السوڤييتي كان بمثابة نموذج عملي يبرهن (ظاهريا) على نجاح النموذج “الإشتراكي” و”الشيوعي”، ويُستعمل كحجة دامغة على صحة النظرية الماركسية، أو الماركسية اللينينية، أو الماركسية الماوية، إلخ. إلا أن انهيار “إمبراطورية لينين وستالين”، وانتقال “إمبراطورية ماتسي تونڭ” نحو اقتصاد السوق، سحب البساط من تحت أقدام يساريي المغرب، وحرمهم من أصلب دليل على صواب اتجاههم الفكري والسياسي.

2ـ لقد كان اليسار يستمد قيمه من ثلاثة مصادر متداخلة: أولها، الماركسية في إحدى صيغها. ثانيها، مقاومة الأيديولوجيات التقليدية، ك”السلفية”، و”الإسلام السياسي”، و”القراءات المتخلفة” للإسلام، والجماعات الدينية (مما أجج علاقتهم بالإسلاميين بشكل كثيرا ما كان يؤدي إلى ممارسة العنف في الجامعات). ثالثها: نقدهم للاستبداد والمخزن بشكل تختلف درجة جذريته من تيار إلى تيار.

3ـ عندما سقط الإتحاد السوڤييتي تشتت اليسار وتزلزلت مرجعيته بمصادرها الثلاثة. فهناك من تخلى بشكل كامل على المرجعية الماركسية واستدار بشكل كامل نحو الحركات الإسلامية، لذلك فكثير من شخصيات الحركات الإسلامية اليوم “ماركسيون تائبون” تخلوا على ماركسيتهم وعدائهم للجماعات الدينية وحافظوا على موقفهم السلبي من المخزن.

وهناك من تخلى عن المرجعية الماركسية، لكنه اتجه بشكل تدريجي وسلس نحو سديم من الأفكار غير الواضحة سميت من ذلك الحين ب”الحداثة” مارسوا بها اعتراضهم على “القدامة” التي هي (في نهاية التحليل الجماعات الإسلامية، إلخ). وهناك من قرر أن يحافظ على الأصول الثلاثة بدون مساومة أو محاولة لنقد الذات بنوع من “إظهار الصمود والثبات على المواقف”، معتبرا أن جوهر المشكلة ليس في الماركسية في حد ذاته بل في طريقة تطبيقها: السوڤييت لم يطبقوها بشكل جيد. الصينيون لم يطبقوها بشكل جيد. الكوريون الشماليون لم يطبقوها بشكل جيد.

الكوبيون لم يطبقوها بشكل جيد. فهم وحدهم يعرفون أسرار التطبيق الجيد للماركسية، لذلك فهم مصرون على الاستمرار في “النهج” السليم.

4- أصبح جزء كبير من اليسار السابق إذن يؤمن ب”الحداثة”، يعترض باسمها على “القدامة”، ويؤمن ب”الديمقراطية” (ضد الاستبداد والفساد)، يعترض باسمها على المخزن. هذه هي الأيديولوجية التي تبنتها الأحزاب ذات التوجهات اليسارية في المغرب.

5ـ يمكن تأويل وجود اتجاه قوي في الأصالة والمعاصرة بأنه وجود لبقايا اليسار الذي عوض ماركسيته ب”الحداثة” وارتضى أن يتخلى على الأقل جزئيا عن مرجعيته “الديمقراطية” المقاومة للاستبداد وفق مقاربة متصالحة مع المخزن مبررا هذا التحالف الجديد بكون المخزن نفسه يقاوم “القدامة” ويحمي البلد من مد الحركات الإسلامية الذي عرف أوجه في ما بين بداية التسعينيات وصعود العدالة والتنمية إلى الحكم.

7ـ كل من يمتلك معطيات بيوغرافية دقيقة عن الشخصيات المؤثرة في مسار الصحافة المغربية الراهنة (لنتذكر المناضل اليساري ابن زاڭورة، محمد البريني، بالنسبة ل”الأحداث المغربية”، ولنتذكر رشيد نيني، ابن بنسليمان، الذي كان يناضل مع اليساريين بكلية الآداب بالمحمدية أواخر الثمانينات، بالنسبة لصحيفة “المساء”).

8ـ احتفظت بعض الاتجاهات في اليسار على مرجعيتها المناضلة ضد الاستبداد، واتخذت موقفا غير واضح من مرجعيتها “الاشتراكية”، معتبرة المجتمع الاشتراكي حلما لا يتحقق إلى بإرساء دعائم الديمقراطية السياسية الحقيقية وتعويض الملكية التنفيذية بالملكية البرلمانية، مضفية على مشروعها الجديد شيئا من “الحداثة” التي وظيفتها الأساسية، من طبيعة الحال، هي نقد الحركات الإسلامية واتخاذ مسافة نقدية منها.

خلاصة هذا التحليل المختصر أن اليسار تشتت بتخلي مكوناته عن أصول مختلفة من أصول مرجعيتهم السابقة. هناك من تخلى عن “الماركسية”، وهناك من تخلى عن نقد “المخزن”، وهناك من تخلى عن نقد “القدامة”، وهناك من تخلى عن أكثر من أصل واحد في هاته الأصول.

لقد كانت فترة التسعينيات هي الفترة التي وعت فيها الحركة الأمازيغية بأن العمل الثقافي وحده (توثيق التراث الأمازيغي، نشر اللغة الأمازيغية، إعادة كتابة التاريخ، نشر المعاجم، إلخ) ليس كافيا لاسترداد المسلوب الهوياتي، بل لا بد من مزاوجته بالعمل السياسي المناضل، إما بدخول معترك التنافس الحزبي (بتأسيس حزب سياسي مثلا)، وإما بالنضال الجذري من خارج النظام السياسي القائم. إلا أن العقد الأول من الألفية الثالثة كان هو الفترة التي تحول فيها هذا الطموح السياسي إلى مشاريع سياسية واعدة جمعت شمل الخلايا الأمازيغية في إطار شبه موحد، فظهرت التنظيمات الحركية الميدانية كتنسيقيات تاوادا، وقوي الزخم السياسي للحركة الثقافية في المواقع الجامعية (المعاقل التقليدية التي لم يكن ينافس اليسارَ فيها أحد من قبل سوى الإسلاميين). بل إن الحركة الأمازيغية أصبحت تستقطب العديد من حركيي اليسار سابقا مضيفين إلى إرثهم الأيديولوجي والسياسي السابق وعيا هوياتيا أعاد الحياة إلى لأدائهم النضالي.

لذلك فإن الحركة الأمازيغية بالنسبة لسديم اليسار الراهن (بحداثييه، ومتمخزنيه، ومُمانعيه) هي كائن غريب لم يجد له بعد أي تأويل مستقر في مرجعيته الهجينة.

فهو مقبول عند حداثيي اليسار لأنه جزءا كبيرا من الحركة الأمازيغية يعلن إيمانه ب”الحداثة”،ولكنه مشكوك في أمره لأنه يحمل بعض عناصر “القدامة” (ألا يدافعون عن ثقافة “قديمة” على أية حال؟ أولم يستعمل الزفزافي مرجعية دينية في خطابه الناقد للمخزن؟).

والحركة الأمازيغية كائن غريب عند بعض الممانعين لأن جزءا كبيرا من الحركة الأمازيغية ينتقدون الاستبداد ونهب الثروات الطبيعية، لكنها تبقى حركة مشكوكا في أمرها لأنها تقصر دفاعها على الأمازيغ وحدهم (أليست المعاناة هما مشتركا بين جميع “الأمم”؟).

والحركة الأمازيغية مقبولة عند متمخزني اليسار على الأقل لأنها تساهم في الحد من انتشار الجماعات الإسلامية، ولكنها تبقى حركة مشكوكا في أمرها لأنها “انفصالية” وتهدد استقرار “النظام” و”أمن البلد”.

لكن ما يزعج في الحركة الأمازيغية ليس هو فقط صعوبة تقييم طبيعة العلاقة معها، ولكن أيضا كونها تنتشر بقوة طوفانية وبسرعة مثيرة. فقد أصبحت الجامعات المغربية معاقل قوية وثابتة لامتداداتها الطلابية، وأصبح من المستحيل أن تمارس السياسة دون أن تتلامس بشكل من الأشكال مع مطالبها. و أصبح لها شهداء ومعتقلون تستقبلهم استقبال الأبطال بعد تحررهم من الاعتقال. لذلك فقد كانت بعض مكونات اليسار حذرة من الحراك الريفي الذي رأت فيه عناصر من الحركة الأمازيغية لا تخطئها العين المجردة (ألم يكن الزفزافي يناضل في صفوف تاوادا؟)؟ ونأت بعض مكونات اليسار عن اعتبار مقتل عمر إزم اغتيالا سياسيا …

واليوم نرى كيف يرفض إعلام بقايا اليسار أن يرى حقيقة ساطعة كالشمس، وهي أن الأعلام الأمازيغية كانت تغطي مسيرة 15 يوليوز، وأن الحركة الأمازيغية كانت حاضرة فيها حضورا قياديا لا غبار عليه ولا شبهة فيه.

لذلك فلا عجب أن إعلام اليسار لم يعر أي أهمية للمسيرة الطوفانية التي اتجهت إلى إكنيون على إثر اغتيال عمر إزم سنة 2016، ولم يتحدث عن مسيرات تاودا المناهضة للاستبداد، ولم يلتفت إلى الهجومات المتتالية لعناصر الپوليزاريو على طلبة الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعات المغربية، … فإعلامهم يرفض بوعيه ولاوعيه أن يرى أي دليل على الزخم النضالي للحركة الأمازيغية. لأن هذا الزخم يذكرهم بالمكبوت التاريخي الذي لا يستطيعون أن يتحدثوا عنه اليوم بشفافية كاملة: المكبوت الناتج عن سقوط اليسار من مستوى حركة كانت شبه دولة داخل دولة إلى تيار ضعيف هجين تهشمت مرجعياته من الداخل فصار مشتتا بين خيار الارتماء في أحضان المخزن، واختيار الحداثة التي لا مضمون لها، والتشبث بأيديولوجية لم يثبت نجاحها في أي مكان بالعالم.

لقد آن لليسار أن يسترجع أسباب قوته السابقة، وهي انحيازه للمستضعفين وتبنيه لقضاياهم بدون قيد أو شرط … فالقضية الأمازيغية هي، في نهاية التحليل، قضية شعب مستضعف سُلبت منه هويته أرضا وإنسانا وثقافة! .. لقد آن لليسار أن ينتقد نفسه في تاريخه الراهن فيدرك أن الوعي الأمازيغي المعاصر هو اكتشاف شعب لعبقريته الخاصة لا يمكن أن يتحقق التحرر الكامل إلا بالمرور من محطته.

شاهد أيضاً

مظاهر التمييز ضد اللغة والثقافة الأمازيغية

عائشة ألحيان إن الدورة السابعة عشرة لتخليد ذكرى الخطاب الملكي لأجدير 17 ـ 10 ـ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *