عودة إلى ملف الاختطاف السياسي (الحلقة السادسة)

مصطفى المنوزي

جميل أن يبوح كل فاعل سياسي سابق أو مقاوم قيدوم ، بكل ما ظل يختزنه لمدة عقود في صدره ، وهذا مفيد جدا لمزيد من الاجتهاد للبحث عن تقاطع المعطيات ، رغم صعوبة التيقن من صحتها في ظل شروط التحرى وسياقات عملية التذكر وملابساتها ، مما يستدعي تدخل المؤرخين عوض الإعلاميين الذين ينصبون أنفسهم قضاة ، بتواطئ فاضح مع السياسيين.

وبغض النظر عن كون الشهادات شفاهية وتقدم علنيا وعموميا دون حضور المعنيين بها ، لوفاتهم أو لتغيبهم أو تغييبهم ، ومهما كانت الحقيقة المتوافق حولها ، افتراضا ، فإن أهم عناوينها لا يمكن أن تخرج عن أمرين ،، الأول أن المغرب طيلة عقود عانى من قسوة نظام حكم فردي مطلق ، كان حليفا للأنظمة الرجعية والديكتاتورية على امتداد العالم ، وكان ، ضمنيا وصراحة ، عميلا للمعسكر الغربي ، بل دركيا للامبريالية يقمع المد التحرري، على سبيل المثال في افريقيا.

وبالتالي لن يجادل أحد في الطبيعة القمعية للنظام ، وهذا كله موثق في التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة ، والذي كان للملك محمد السادس كامل الشجاعة السياسية والنزاهة الفكرية للتصديق عليه واعتباره بداية حجة للقطع مع ماضي سنوات الجمر ، والأمر الثاني هو أن معارضي النظام خلال سنوات الرصاص ، يتحملون كامل مسؤولياتهم السياسية والتاريخية ، فقد اختاروا تغييره ، واختص جناح المقاومة وجيش التحرير بالخيار الثوري والمسلح ، ولا يهم إن كانوا مصيبين أو مخطئين ، المهم أنهم اعتقلوا وحوكموا ونفذ في رفاقهم الإعدام ، علنيا وسريا ، ولا يعقل أن نحاكمهم على نفس الفعل مرتين أو أكثر.

وهي قاعدة يقابلها مبدأ عدم الإفلات من العقاب مع ضمان المحاكمة العادلة ، هذا بالنسبة للذين اشتبه وتبث في حقهم كونهم شاركوا في عمليات مسلحة أو نسب اليهم تواطؤهم مع القوات المسلحة الملكية ، فهذا جانب مهم في تاريخ الحقيقة الوطنية التي ينبغي استجلاؤها ، فهل المذكرات المنشورة تشفي الغليل في هذا الصدد أم أن الأمر لا يعدو أن يكون بوحا خارج الأجل«التاريخي » يهدف إلي تبرئة ذمة ، أو يروم إلى « التبرع » بصكوك غفران وعفوا لمن يعتبرون أنفسهم مذنبين اضطرارا أو « الحاسين » بوخزة ضمير ، وإن هذين الأمرين يرتبان لا محالة مسؤوليات هنا وهناك قد تكون فردية أو جماعية ، اقترانية وتضامنية، كاملة أو مشطرة.

هذا من جهة ، ومن جهة ثانية لابد من التذكير أن أخطاء الآخرين لا تبرر التعسف في استعمال الحق في الدفاع « الشرعي » إن كان له محل أو موجب ، ويكفي أن نتمثل خلاصات توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة ، ليتبين أن القانون لم يحترم أو لم يطبق أصلا في أغلب الحالات ، ثم ينبغي أن لا ننسى مطلب الحقيقة الذي ظل عالقا في كثير من قضايا الاعتقال السياسي التعسفي والاختطاف والإعدام خارج نطاق القانون .

بغض النظر عن إنصاف ضحايا القمع من معتقلي الرأي أو في القضايا ذات طبيعة سياسية واجتماعية ونقابية ، فلا هم حملوا سلاح ولا حتى لوحوا به . من هنا ينبغي التركيز في مجال الذاكرة على تجميع المعطيات والشهادات والوثائق وتكليف المؤرخين وعلماء الاجتماع والأكادميين المختصين في المجال ، لتشخيص ظاهرة العنف والعنف المضاد والبحث عن سبل تكريس سلمية الصراعات ، والتي هي شر لابد منه ، مادامت الاختلافات كائنة والمصالح المتباينة موجودة.

وكل هذا في سياق استكمال الحقيقة المنتجة لامكانيات التقييم والتقويم والمحاسبة العادلة والمنصفة ، في أفق دمقرطة التنافس من خلال إرساء ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، ولا يسعنا إلا أن تبشر بقرب مأسسة محاولات تدوين الذاكرات المتناترة هنا وهناك بصفةوفقا نا يسمى بالكتابة الجماعية المتعددة زوايا المعايشة أو النظر .

شاهد أيضاً

أرحموش معزيا في وفاة الدغرني: ستزداد مسؤولياتنا وأكبر عزاء لفقيدنا هو مواصلة النضال

في لحظة عصيبة فارقنا فيها بقلق كبير سي احمد الدغيرني، ينتابني احساس عميق بضرورة التدكير ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *