عندما ينجح أستاذ الإعلام في حبك الرواية

بقلم: عادل الزبيري

في أول عمل روائي، اختار الدكتور عبد الوهاب الرامي*، بناء تخييليا مختلفا تماما، عن السائد اليوم في الأدب المغربي، المكتوب باللغة العربية.

ومن المؤسف حقا، في تقديري الشخصي، أن يصدر العمل الروائي، لاسم مغربي له مكانته، عن دار نشر مصرية، ولو أنني أتفهم الأمر، لأن غلبة الشللية والمَصَالحية، يجعل هجرة المبدعين المغاربة، من المُبعدين اضطراريا، صوب الشرق والغرب، أمرا لا مفر منه مغربيا.

ولأنه الدكتور الرامي، صاحب الظل الطويل، كما لقبته في روايتي الأولى “زمن العرفان”، ختم عمله الروائي “تل الخزامى” بحكمة هزيمة الشر، عبر مشهد درامي جسد سوء خاتمة “للاسعالة” = ميتة، بعد أن شربت سما لتنتحر، بعد أن كشف “سيدي شلهوب” تفاصيل مخططها، للاستيلاء على مجلس الحكماء، وسط رهط هرم عمريا، من حمقاء قبيلة آل برغوط.

لم أتفاجأ لبناء العمل الجامح في الخيال، البعيد في ضرب المعاني، بانتصار مصيري للخير على الشر، وبانهزام سيدة حكت المآمرات في صمت، وبقاموس من البركات، كما لم تتردد في اختراع الرؤى، باسم واهب الكرامات.

واستعرض الروائي مهاراته في اللغة العربية؛ بتزيين نصه بكلمات من التراث اللغوي العربي الراقي المقام، ما يعكس سعة إطلاع، وقدرة أستاذ على استعمال البهارات اللغوية، بما ينفع الوصفة الإبداعية، ولا يصيبها بضرر، وبما لا يثقل على القارئ بلغة عربية صعبة الاستيعاب، فاستقام الميزان، وسهل السفر الروائي.

كما تخيل الكاتب عالما إبداعيا قائما خارج الزمكان الحاضر، وما دامت الحمير  والبغال وسيلة تنقل، فهذا مؤشر على أن الزمن هو تاريخ غابر، وبما أن اللغة المستخدمة عربية، فالأرض تنتمي إلى المجال الجغرافي الناطق جزئيا أو كليا باللغة العربية، والممتد من شبه الجزيرة العربية، مرورا عبر الشرق الأوسط، ووصولا إلى شمال إفريقيا: وتبقى هذه فرضية للتحليل الروائي.

وفي الرواية مفاجئة ذكية، ففي توقيت لا يتوقعه القارئ، الذي يطارد ترقيم الصفحات، للوصول لخاتمة المَروية، يتغير خط تطور الأحداث: تخرج شخصية كانت ثانوية، لتقلب الطاولة، وتتجاوز شبه قرار، كان أصبح ناضجا، بطرده من مجلس الحكماء، لأنه مشكك ومناقش نهم، ولا يوافق تفاسير الرؤى، من السادة الحكماء.

وشخصية “سيدي شلهوب” تتصاعد أسهمها، بعد أن كانت شخصية عادية جدا، تهتم أكثر بشؤون شبق حماره، وسيلة تنقله، كي تمارس بكل شجاعة، غير متوقعة، لعبة فضح الأفعى “للاسعالة”، ولو أنها نجحت في أن تطأ بيته من دون رغبته، في جزء من خطتها لقتل الحكماء، بخلطاتها العجيبة والمسمومة غالبا.

ففي الرواية يعيش القارئ مروية شيقة جدا، لصراع الخير والشر، وتنبيه واضح للقارئ، من مغبة الخطأ الفادح للإنسان، في السقوط من دون إعمال للتفكير، في الإيمان بالخرافة، وتحويلها إلى فزاعة لإرهاب الناس من العامة، وإخافتهم في حياتهم الاجتماعية العادية، بنزول اللعنات.

ومن رسائل الروائي أن واضعي القوانين من البشر، في مجلس الحكماء، من المؤتمنين على حسن تطبيقها من الشيوخ، هم أول الخارقين لها، في صمت وبعيدا عن الأعين، لأنهم سادة في المروق من القانون أيضا، ولأنهم أيضا الساعين لتحقيق نزواتهم، باختراع رؤى وتفسيرها على مقاس الهوى.

وأرجح هنا أن الإسقاط على الواقع المغربي ممكن، أي أن الروائي سافر بعيدا في الزمن، لإعلان مواقف من تحولات المجتمع المغربي اليوم، وانتصار لقيم الانتهازية والوصولية، وهو ما بدا جليا في تسيمة “سيدي شلهوب”، في تحوير لغوي لعبارة مغربية عامية = “الشلاهبي” أي النصاب والوصولي والانتهازي.

كما استعمل الكاتب الرواية لتنبيه المغاربة من مخاطر التسليم السريع لكل قائد رأي ومعلن موقف، بل لا بد من التفكر والتأمل، قبل إتباع أي طريق، لأن التسليمية قرار خاطئ، إذا غيب العقل.

ينتاب القارئ شعور أن الروائي المغربي، يدور في حلقة واحدة، ولكنها في نظري، الحرفية في الصنعة في الكتابة، فالبدء كان بترتيب في نسج أحداث الرواية، ومن ثم الانتقال إلى بسط معالم العالم المتخيل أمام القارئ، ووصولا إلى إضافة الكاتب الروائي لتتبيلة من بهارات الحكمة، والنقاش العقيم تارة، والتفاعلي تارة أخرى، بين الحكماء الشيوخ.

وفي قسم في الطابق الثاني في بناية المعهد العالي للإعلام والاتصال، علمني الدكتور عبد الوهاب الرامي صنعة الكتابة البصرية أي التوصيف الدقيق لتمكين القارئ من تخيل للمشهد، وهي تقنية حضرت في الرواية.

كما ينتقد الكاتب بشجاعة، على لسان شخوصه خطورة الإيمان بالخرافة، التي يخترعها الانتهازيون، فتصبح القبيلة رهينة لهم، فيرسمون للخرافة طريقها، في تأمين دائم للمصالح، ولو عبر إقصاء بالعقاب المبارك، من سيدي برغوط واهب الكرامات، لكل صوت مخالف.

في تقديري، من الطبيعي أن الأكاديمي الناجح هو روائي ناجح، لأنه فارس شجاع في ركوب صهوة اللغة، وفي تطويع الخيال، وفي تأثيث تسلسل الأحداث بحكم، يستفيد منها المسافر في النهاية، عبر رواية “تل الخزامى”.

والطفلة ذات التسع سنوات، في نهاية الرواية، واسمها “حنيشة”، عادت لوالدها الصبور، لتنطلق ثورة جماعية ضد الخرافة، فيقف الثوار ضد الخرافة على ضريح واهب الكرامات لإعلان سقوط رمزي لمجلس الحكماء.

وفي تصحيح لما ورد، سهوا لا خطأ متعمدا، في أول هذا النص، فإن الدكتور ع الوهاب الرامي، وصل إلى رابع نص روائي، بعد نصين باللغة العربية؛ “سنة بين قطارين”، و”الموظف”، ونص ثالث بالفرنسية اسمه “أشواق متأخرة”.

* الروائي هو الدكتور عبد الوهاب الرامي، الشاعر صاحب ديوان شهير اسمه: “تراتيل لزهر الرمان” وأستاذ مادة الصحافة المكتوبة في المعهد العالي للإعلام والاتصال في الرباط في المغرب، ومؤلف لكتب مرجعية مغربيا وعربيا في الصحافة.

شاهد أيضاً

انزكان : مهرجان الجرف للموسيقى يطفئ شمعته الثانية

اسدل السطار ليلة يوم السبت 16 نونبر 2019 على فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الجرف للموسيقى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *