أخبار عاجلة

علم الجينات ولغة “ما قبل الكارثة”

د. عبدالله الحلوي

من مفاجآت الدراسات الجينية لهذه السنة (2018) دراسة علمية أنجزها عالمان متخصصان في الدراسة الجينية مفادها أن الإنسان المعاصر ينحدر من زوج (رجل وامرأة) عاشا بين 100 ألف سنة و 200 ألف سنة قبل اليوم استطاعا أن ينجوا من كارثة عالمية أودت بحياة جميع الكائنات الإنسانية الأخرى.

سأبين في هذا المقال أن لهذه النتيجة التي توصل لها العلم الجيني المعاصر نتيجة مهمة بالنسبة لتاريخ اللغات الإنسانية، وهي أنها ستفتح المجال للبحث في معجم الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الكارثة. سأبين أيضا أن اللغة الأمازيغية (لغة إنسان إغود) هي مفتاح استعادتنا لهذا المعجم القديم المنسي الذي ستفتح استعادته بدون شك آفاقا غير مسبوقة في فهمنا لطبيعة اللغة الإنسانية وبنيتها ووظائفها.

دراسة جينية مثيرة

نشرت هذه الدراسة الهامة في أول الأمر في مجلة Human Evolution في شهر ماي من السنة الجارية (2018) بعد أن أتم إنجازها كل من عالمي الدراسات الجينية Mark Stoeckle من جامعة روكيفيلر الأمريكية و David Thaler من جامعة بازل السويسرية. وهي دراسة استعملت تقنية “الباركودينڭ” Barcoding والتي تعتمد على استعمال كمية صغيرة من ال DNA لعُضَيٍّ صغير يستعمل في تحديد النوع البيولوجي للكائن المدروس. وتقوم مثل هذه الدراسة على البحث في جينة تسمى بال Cytochrome Oxidase 1 (تختصر في الرمز CO1)، مع العلم أن هذه الجينة ليست جزءا من نواة الخلية، بل هي جزء من عُضيّات رخوية الشكل (تسمى بال Mitochondrian) تسبح خارج نواة الخلية وتُمِدُّها بالطاقة.

وقد طُبقت هذه الدراسة على 5 ملايين كائن حي ينتمون ل 100 ألف نوع بيولوجي، منهم النوع الإنساني، وخلصت إلى أن كل النوع الإنساني انحدر من زوج واحد one couple يسمى بأصل النسل (أو “عنق الزجاجة” bottleneck) عاش حوالي 100 ألف سنة إلى 200 ألف سنة قبل اليوم، وأن كل 9 أنواع من 10 أنواع حيوانية جاءت أيضا من زوج واحد. كما خلصت الدراسة إلى أن الزوج (“عنق الزجاجة”) الأصلي الذي انحدرت منه الإنسانية كاملة قد نجا من كارثة عالمية (الجليد، أو التسمم الجماعي، أو الوباء، أو غير ذلك) أدّت إلى انقراض جميع سكان الأرض من النوع الإنساني، مما يسمح لنا بالحديث عن مرحلة ما قبل الكارثة وما بعد الكارثة.

حاول صاحب هذا المقال أن يبحث عن انتقادات علمية لهذه النتائج في المجلات العلمية المعتبرة، لكنه لم يجد أثرا سوى لانتقادات صحافي متخصص في كتابة الروپورتاجات حول أخبار العلم اسمه مايكل مارشال يكتب في مجلة رجال الأعمال “فوربز” المتخصصة في عالم المال والأعمال. مايكل مارشال ليس عالما متخصصا، وآخر شهادة حصل عليها هي شهادة ماستر في البيولوجيا وأخرى في “التواصل العلمي”. كما أن هذا الناقد الصحافي لم يعتمد على قراءة المقال العلمي المنشور ل Mark Stoeckle وDavid Thaler بل مجرد تعليق على ما أوردته الجرائد والمجلات الأمريكية حول خبر هذا الإكتشاف المثير.

النتائج اللسانية للدراسة

لهذا الإكتشاف الجديد نتائج مهمة حول فهمنا للغة وتاريخها الطويل من بينها:

1ـ أن المشترك المعجمي العالي (أي الكلمات المشتركة بين لغات العالم والتي لم ينتج اشتراك اللغات فيها عن تلاقح هذه اللغات وتأثير بعضها في بعض) قد أتانا من اللغة التي كان يتحدث بها الزوج (الرجل والمرأة، عنق الزجاجة) اللذان بقيا في الحياة بعد الكارثة.

2ـ أنه إذا كانت لغات العالم اليوم تستعمل ألفاظا نُسِيَتْ معانيها (لا يستطيع الناس تحديد معانيها بدقة رغم أنهم يستعملونها)، وإذا كانت هذه الألفاظ المنسية مشتركة بين لغات العالم، فالأرجح أن الزوج (الرجل والمرأة، عنق الزجاجة) الأول هو من نسي معاني تلك الألفاظ بعد الكارثة التي يتحدث عنها Mark Stoeckle وDavid Thaler واستمر في استعمال تلك الألفاظ بعد الكارثة رغم نسيانهم لمعانيها الأصلية. فمن المستحيل أن يتواطأ الكثيرون الذين يعيشون في مكان واحد على نسيان معنى لفظ مع الإحتفاظ بهذا اللفظ. لذلك يمكن أن نتحدث عن لغات ما قبل الكارثة pre-catastropic languages ولغات ما بعد الكارثة post-catastrophic languages.

فهل يمكن أن نكشف في ما بين ثنايا اللغات المعاصرة عن آثار لغة (أو لغات ما قبل الكارثة)؟ هل نتوفر، في اللغات المعاصرة، على ألفاظ متداولة مشتركة، فقدت اللغات معانيها الأصلية بحيث لا نستطيع اكتشاف هذه الأصول إلا بالحفر العميق في اللغات المعاصرة باستعمال المنهجية اللسانية المقارنة؟

سأبين من خلال مثال سأحلله في هذا المقال بشيء من التفصيل أن هذا النوع من الألفاظ ذات المعاني المنسية موجود بالفعل في اللغات الإنسانية، وأن اللغة الأمازيغية، لغة إنسان إغود (أقدم كائن من نوع الهوموساپيان تم اكتشافه لحد الآن) يلعب دورا حاسما في الكشف عن هذه الألفاظ القديمة.

مثال ملموس

لننطلق في تحليلنا من معنى الجذر ceive الذي تجده في أفعال إنجليزية مثل receive (استقبل) و deceive (خدع). المثير في مثل هذه الأفعال أن جذرها (ceive) لا يحمل معنى في ذاته في اللغة الإنجليزية، وأنها لا تصير ذات معنى إلا إذا إذا أضفنا إليها سوابق مثل receive (فتفيد معنى “استقبل”) و deceive (فتأخذ معنى “خدع”). بهذا المعنى فإن الجذر ceive من الألفاظ التي لا تزال تستعمل اليوم التي يبدو أن معناها الأصلي أصبح منسيا. فهل يوجد لهذا اللفظ نظير في اللغات الأخرى؟

إذا علمنا أن الإنجليزية قد اقترضت أفعال receive و deceive ووغيرها من الأفعال التي تتضمن الجذر ceive ابتداء من القرن الحادي عشر (بعد الغزو النورماني لانڭترا)، فإننا سندرك أن أصل ceive في اللاتينية، وهو capiō ، يحمل معنى محددا وهو “أخذ” و”تناول”. من ذلك فعل recipiō بمعنى “استرجع” (فالسابق re، في اللاتينية، يعني “وراءً”)، منه جاء الفعل الفرنسي القديم receivre، بنفس المعنى، جاء منه الفعل الفرنسي المعاصر recevoir، بنفس معنى receive في الإنجليزية.

لفظة capiō اللاتينية، مأخوذة بمعنى “أخذ”، متجذرة في كل اللغات الهندو أوروپية لا شك في ذلك. فمن مقارباتها كلمات kap في في عائلة اللغات البلطيقية، و kap في الألبانية، و gib-a في الجرمانية، و xopītī في العائلة السلاڤية. كلها ترد بمعنى “أخذ” و”شدّ” (كقولك “شد على يده”)، و”قبض”.

توجد مقاربات هذه اللفظة أيضا خارج العائلة الهندو أوروپية ك kav في عائلة اللغات الدراديڤيدية، و kaapV في لغات شمال أوروپا وآسيا، و k`ap`V في العائلة الألتية.

ماذا عن الأمازيغية؟

هل يوجد الجذر kap بلفظه ومعناه في اللغة الأمازيغية التي جاءت مباشرة من لغة إنسان إغود؟ الجواب: نعم، يوجد هذا اللفظ بصيغة قريبة صوتيا وهي ⴽⴻⴼ kef معناها “أعطى” وليس “أخذ”. فما التجليات اللهجية لهذه اللفظة، ولماذا معناها “أعطى” وليس “أخذ”؟ في ما يلي تحقيق لهذا اللفظ وتأصيل لمعناها.

يعني جذر ⴽⴻⴼ kef في معجم الجذور الأمازيغية “أعطى” (المادة 344 في معجم الجذور)، ويعبر عنها لهجيا ب kef ⴽⴻⴼ في الأطلس المتوسط المغربي ومناطق أخرى، كما يعبّر عنها ب fek ⴼⴻⴽ (كما في قولك: ifkas ⵉⴼⴽⴰⵙ “أعطاه”) في سوس وغيره، وذلك بقلب ترتيب الكاف والفاء (لذلك فإن مصدرها إما أن يصاغ على tukfa ⵜⵓⴽⴼⴰ أو tufka ⵜⵓⴼⴽⴰ حسب المناطق). فالكاف بقيت ثابتة في اللغات الهندو أوروپية وغيرها، أما الفاء فتحولت إلى پاء (كما في kap). أما الصائت a فهو مشموم في الأمازيغية.

لكن لماذا يكون معنى kef ⴽⴻⴼ في الأمازيغية “أعطى” وليس “أخذ”، كما في اللغات الهندو أوروپية وغيرها؟ أليس يقوم هذا دليلا على أن الجذرين غير مرتبطين تاريخيا؟ الجواب: كلا. الجذران مرتبطان تاريخيا وهذا بيانه ذلك.
معنى ⴽⴻⴼ kef الأمازيغية و give الإنجليزية؟

هل من الصدفة أن ⴽⴻⴼ kef الأمازيغية و give الإنجليزية يتطابقان في معناهما ويتقاربان في لفظهما؟ أليس الفرق بينهما هو فقط أن الصائتين المكونين للفظ في الأمازيغية مهموسان، بينما نظيراهما في الإنجليزية مجهوران؟ الحقيقة أن التقارب اللفظي والدلالي بين الكلمتين ليس صدفة ويفسر لنا احتفاظ اللفظة الأمازيغية لمعنى “العطاء” بينما تحمل مقابلات هذّا الجذر في اللغات الأخرى معنى “الأخذ”.

عندما نبحث في القواميس التاريخية عن أقدم صيغ الفعل give في الإنجليزية، نجد gib في الجرمانية، و gab-u في اللغات البلطيقية، و gábhasti في الهنديه القديمة. والمثير في هذه الصيغ أنها تتأرجح بين معنى “أعطى”، كما في الجرمانية، ومعنى “أخذ” كما في اللغات البلطيقية، ومعنى “اليد” أو “الذراع”، كما في الهندية القديمة. لذلك فإن الأرجح هو أن أصل معنى الأخذ والعطاء هو معنى “بسط اليد” (وهو أصل “العطاء”)، و”جمع اليد” (وهو أصل “الأخذ”).

ومما يشهد لهذه النتيجة بقوة أن مادة kap في اللغات السامية تفيد معنى “اليد” أو ما يقترب منها: من ذلك “الكف” في العربية، وkappu في الأكادية، وkap في العبرية، و kāf في الإثيوپية، و kappā في السريانية الآرامية.
لذلك فإن لفظة kbr ⴽⴱⵔ (وهي المادة 334 في قاموس الجذور) في الأمازيغية والتي تبتدأ بالجذر kab والتي تعني في لغة اليوم “القافلة” كانت تعني في أصلها “يد الأسد وقد ضُمّت أصبعها إلى كفّها”، لذك فلا زال هذا اللفظ يستعمل في القبايلية بمعنى “اليد القوية”، ولهذا أيضا فإن التوارڭية لا تزال تحتفظ بلفظ مشتق منه (وهو kebert ⴽⴻⴱⴻⵔⵜ) معناه “اتحد”.

كما يوجد في الأمازيغية التوارڭية والقبايلية أيضا جذر آخر، وهو kebbezzet ⴽⴻⴱⴱⴻⵥⵥⴻⵜ (المادة 335 في معجم الجذور الأمازيغية) معناه “يجمع يده بشدة”. ومن معنى “جمع الشيء باليد” اشتُقَّ معنى “الجمع” على العموم من نفس المادة اللغوية، فتجد في أمازيغية الأطلس المتوسط الجذر ⴽⴻⴱⴱⴻⴱ kebbeb (المادة 331 في معجم الجذور الأمازيغية) ، بمعنى “جمع”، الذي منه akebbab ⴰⴽⴻⴱⴱⴰⴱ في أمازيغية الأطلس المتوسط بمعنى “المجموعة الملبّدة”، و takbubt ⵜⴰⴽⴱⵓⴱⵜ معناها “شلة الخيط” (منها اللفظ الدارجي المغربية “كبّة”) ، تنطق akebkub ⴰⴽⴻⴱⴽⵓⴱ في أمازيغية القبايل. مما يعني أن أصل معنى الجذر kf وkp و kb هو “استعمال اليد بوجه مخصوص كالجمع والقبض”. فهذا أقدم استعمال لهذا الجذر لم نعد نجد في لغات اليوم سوى آثاره وظلاله.

خلاصة

بما أن المادة المعجمية kf وما يقاربها (مثل kp و kb) مادة مشتركة بين لغات العالم، وبما التحليل الإيتيمولوجي لها يكشف أنها تحمل معنى منسيا هو معنى “جمع اليد” أو “بسط اليد” أصبح اليوم متواريا وراء طبقات من المعنى كثيرة ك”الأخذ” و”العطاء” و”الجمع”، فإن هذه المادة المعجمية هي من معجم إنسان ما قبل الكارثة التي يتحدث عنها علماء الجينات اليوم: معجم نحتاج لاستعادته بشكل كامل لنكشف عن أعمق أسرار اللغة الإنسانية بمبانيها ومعانيها ووظائفها.

إننا نحتاج اليوم لإعادة بناء لغة ما قبل الكارثة بشكل كامل إذا ما نحن أردنا فهم طبيعة اللغة الإنسانية ووظائفها.

شاهد أيضاً

الشعب فوق القانون، لا دستور ولا هم يحزنون..

وهران / الجزائر: مصطفى منيغ الجزائري لا زال على طبيعته كالمعدن الأصيل الصافي تِلْقائِياً النقيِّ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *