طقوس وممارســــات مرتبطة بالفلاحة طقس مقاضاة الدود ” أصروض ن توكا” Assroud n tawkka

ابراهيم عفيف

ذهب رمضان وذهبت معه لحظات استثنائية لم يسبق لجيل اليوم ولا لجيل الأمس أن عاشها. رمضان استثنائـــي شأنه شأن الأيام التي كانت قبله وتلك التي جاءت بعده، ومنها يوم العيد الذي اختفت فيه الكثير من المظاهر الاحتفالية والاجتماعية. قبل هذا اليوم، كنا معا في وقفة تأملية خاصة حول الصراع بين العقلين العاطفي المتمرس من جهة، والمنطقي الواقعي الذي لم يتعوذ كثيرا على هكذا مواجهات…تمنينا أن تكون الكلمة الفصل للأخير…لكن، لا أدري كيف كانت المواجهة عندكم….بكل تأكيد لن تكون بالسهلة…كيفما كان الحال، مررنا بامتحان مفيد…لعله يؤطـــر حياتنا خلال ما يستقبل من الأيام، التي تتطلب منا مزيدا من اليقظة والحذر وكثيرا من إعمال العقل المنطقي ….فأكيد أن ما بعد كورونا سيشكل قطيعة مع ما قبلها…

قطار التأملات المتجه صوب أعماق العلاقات الاجتماعية والإنسانية، توقف بنا في المحطة التقديمية لسلسلة من الطقوس الاجتماعية المعتادة لدى القرويين. طقوس وممارسات ذات صلة وثيقة بأعمال الفلاحة المعيشية. تحدثنا كثيرا عن مختلف الأنشطة الفلاحية الممارسة بتاركا ن ماست التي اتخذناها نموذجا لتقريب قراء التأملات من يوميات الإنسان القروي، وأبرزنا أهم المنتوجات التي كانت تشكل العمود الفقري للنشاط الفلاحــــي بماست لسنوات طوال…منتوج الذرة Asngar n Masst الذي يقصد البلدة أناس كثر طلبا له…ومازال الطلب بشأنه متواصلا إلى اليوم، رغم تراجع العديد من الفلاحين من زراعته…تراجع له مبررات وأسباب ستكون لنا عودة لها مستقبلا….

ذكـــر النشاط الفلاحي بماست من قبل أبناء الجيل الأول يكون مقترنا بأسنكار والطقوس المرتبطة به. هذه النبتة (الصور رفقته لنبتة الذرة مأخوذة من الإنترنيت)، ونظرا لشموخها وأنفتها تفرض على الفلاحين اعتناء نوعيا يبدأ بإزالة النباتات الطفيلية، وتلك التي من شانها ان تعرقل نموها السليم…عملية تسمى إزالة تافزوت Aks n tfZouT، وبعدها إزالة الكلمون Lglmoun (الجزء العلوي من النبتة)…لتأتـــي العملية الأصعب: الحراسة الليلية بتاركا للتصدي للهجمات الليلية للخنزير الذي يجد لذته وهو يصول ويجول في حقل الذرة….آه، كم قضيت من ليالي رفقة ثلة من أصدقائي وأنا أحرس بعضا من حقولنا…ولن أخفيكم سرا، في الأول تكاد ركبتي تحملاني وأنا في أقصى درجات الخوف، وأنا متجه للحقل مع صديقي عبد الله… لا أبتعد كثيرا عن إولـــــي Iwli (يشبه السرير المرتفع عن الأرض بمترين أو أكثر) الذي يصنعه الوالد لهذا الغرض. كانت المتعة ممزوجة بأداء المهمة…أدينا المهمة في الكثير من المرات بنجاح…..ليث شروط هذا المنتوج تتوقف هنا…..

معلوم أن الذرة لها أعداء كثر…من أبرزها الدود ” تاوكا” …(الصور أسفله للدود مأخوذة من الإنترنيت)…في الكثير من المرات تكتسح تاركا ن ماست (تاركا ن تسنولت نموذجا: الصورة أسفله بعدستي بعين المكان) بدون سابق إنذار. إزاء هذا الوضع، وفي غياب انتشار الثقافة الفلاحية المبنية على استعمال المبيدات لغرض القضاء على الدود المتطفل، الذي لا يفرق بين حقل وحقل، وبين نبتة ونبتة…يأتي على الأخضر ليحوله إلى يابس… يلجأ القرويون إلى صيغ بديلة. القروي، ولأنه يتكيف مع كل الظروف والوضعيات يجد لنفسه مخرجا، ليس من الضرورة أن نجد له نحن تفسيرا علميا أو منطقيا مادام يؤدي المهمة بنجاح…هنا، وبعد اجتياح تاركا من طرف الدود ” تاوكا” تتحرك العبقرية الطقوسية…تتفق نسوة المدشـــر على تحديد يوم معين لمقاضاة الدود…يوم ” أصروض ن توكا”…شخصيا، وأنا طفل أتذكر أنني رافقتهن بمعية أبناء المدشر لأكثر من مرة…لكن ذاكرتي لوحدها لن تفي بالغرض لسرد تفاصيل ذلك الطقس، نظرا لكون بعض أشواطه نسائية بامتياز…تتم بعيدا عن أعييننا. لكن، ولأن سخاء والدتي أطال الله في عمرها كان حاضرا معي وأنا أعد لهذا التأمل….

تجتمع النسوة بأحد البيوت بالمدشر ( يتعلق الأمر ببيت أسرتين محددتين، وليس بأي بيت). يتم إحضار زوج من الدود ” بوكضيف = ذكر الدود” و ” تاوكا = أنثى الدود”. يوضع الذكر في قصبة ( مثل القصبات التي تستعمل لحفظ أوراق الملكية)، بينما توضع الأنثى في قصبة أخرى. تشرف المرأة التي تنتمي لزوما لأحدى الأسرتين (لن أذكر الأسماء طبعا) على إعداد القصبتين كأنها تزين العروس يوم عرسها. تستعمل كل ما يوظف للعروس: الحناء، الحباق، التمر…بعد إتمام التجهيز، يتم حمل القصبتين من طرف إحدى النساء، وتتبعها البقية في اتجاه تاركا، كأنهن متجهات لبيت العريس…وهن في الطريق يرددن العبارة التالية: ” أصروض نم أتوكا س اغزر أوسرسيف” أي ما معناه: نقاضيك أيها الدود إلى منطقة تدعى إغزر أوسرسيف، وهي منطقة كائنة بمنطقة بوييغد قرب تاسيلا ن ماست…الجميع يردد العبارة سالفة الذكر، وهن متجهات إلى المكان المحدد…بمجرد الوصول لعين المكان، يتم رمي القصبتين في حفرة موجودة بالغار ” إغزر”…ومباشرة بعدها يرجع الجميع عبر نفس الطريق. وهن في طريق العودة يقطفن جزءا من النباتات المختلفة في كل حقل على حدة (على مسار الطريق)….يقال أنه، وهن راجعات يلتقين بالدود متجها صوب وجهة إغزر أوسرسيف. ما هو مؤكد حسب تجربة السنين أنه مباشرة بعد اليوم الموالي ليوم المقاضاة يبدأ كل الدود للتحرك صوب نفس الوجهة، حتى آخر دودة…يمر يومان إلى ثلاثة حتى تكون تاركا كلها قد تخلصت من هذا العدو..كيف ولماذا ووفق أي منطق؟ كلها أسئلة قلنا سابقا أننا لا نملك إزاءها أية إجابة…فهي حتما من المسلمات الاجتماعية…

إبــــــــراهيم عفيف

شاهد أيضاً

أسئلة الاستقلال عن الحقيقتين الأمنية والإعلامية

ليس من حقنا أن نعترض على حلول الإعلامي محل الفاعل السياسي والفاعل الحقوقي في فضح ...

تعليق واحد

  1. azul mass tanmmirt nnk ifulki mayad bahra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *