سنة بعدَ خطاب العرش 2018

إن تحقيق المنجزات، وتصحيح الاختلالات، ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي، يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط و التنسيق، بين مختلف المؤسسات و الفاعلين، و خاصة بين أعضاء الحكومة، و الأحزاب المُكَوِّنَة لها. جاء هذا التًّنْبِيه ضمن خطاب العرش الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 19 لعيد العرش سنة 2018 ، و كان بمثابة إرشاد ملكي إلى مكمن الخلل الذي يعيق إنجاز المشاريع التنموية ، و لا يساعد على التنفيذ السليم للتوجهات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي تسعى إلى تجديد النموذج التنموي المغربي و ضمان حقوق و حريات المواطنات و المواطنين.

و أمام تَقَلُّبات جِيُو-ستراتيجية إقليمية و دولية تنعكس على الوضع الداخلي ثقافيا و سياسيا و اقتصاديا، فإن التوجيهات الملكية السامية دعت إلى ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية، والتحلي بِبُعد النظر، والنفس الطويل، و إلزامية السرعة في التنفيذ ، مع تثمين المكاسب التي تَمّ تحقيقها و الاستفادة من التجارب الناجحة.

و حيث أن الديمقراطية المحلية لا تستقيم إلاَّ عبر ترسيخ اللاَّمَرْكَزِيَّة و اللاَّ تَركيز ، و الاعتماد أساسا على مأسسة التعاون الجماعي  و حماية الحقوق الأساسية للساكنة المحلية، و إشراك النسيج الاجتماعي في الهندسة الجديدة لتنظيم سلطة الدولة على مجالها الترابي. فإن هذا الورش الإصلاحي يَتَطلَّبُ تأهيل الموارد البشرية ( منتخبين و إداريين ) حتى تستطيع ممارسة الاختصاصات الموكولة إليها  بما يفرضه مبدأ التفريع كتقنية دستورية لتنظيم اختصاصات مؤسسات الجماعات الترابية. و هذا ما يستوجب ضرورة الفسح في المجال أمام تكوين نخب محلية جديدة وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم ليسوا إلاَّ أبناء اليوم .

و من أجل بلوغ هذا الهدف النبيل، كان لزاماً على التنظيمات السياسية تسريع وتيرة الإصلاح الحزبي لِمُواكبة التشريعات الجديدة، من خلال العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغال الأحزاب السياسية و ضَخ أفكار جديدة ، عبر استقطاب مُوَسَّع للشباب و الكفاءات القادرة على تحين و تجويد العرض السياسي المطروح على المواطنات و المواطنين.

و قد كانت توجيهات جلالة الملك تتطلع إلى إفراز جيل جديد من البرامج الحزبية القمينة بتقوية التنافسية الحزبية، و تطوير أسالِيبِهَا التأطيرية بُغْيَةَ تعزيز الاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه ، و ترسيخ مكانة للمؤسسة الملكية باعتبارها حكماً أسمى بين المؤسسات و ضامنا للتأويل الديمقراطي لأحكام الدستور. و كذلك جعل الانتخابات تعبيرا مُوَسَّعا عن الإرادة الشعبية  المُنبثقة من التنافس الراقي، المُؤَسَّسِ على قِيَمِ خدمة الوطن و المواطنات و المواطنين. و جعلِ المؤسسات الحزبية فضاءات لإبداع برامج عقلانية قابلة للتطبيق بمقاربة سياسية تشاركية و أثر اقتصادي وتنموي واقعي، يلمسُه المواطنات و المواطنون في كافة الجهات و الجماعات الترابية بِرُبوع الوطن المغربي.

و فيما يتعلق بالشأن الاجتماعي الذي يحظى عند صاحب الجلالة باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان. فقد أكد خطاب العرش لسنة 2018  على أن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي و طموح، يهم فئات واسعة من المغاربة ، مشروع أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي. و رغم لغة النقد الصريحة فإن جلالة الملك شَجَّعَ و حَفَّزَ الفاعلين السياسيِّين المَعْنِيِّين بهدف تحقيق حزمة الإصلاحات والتدابير الاقتصادية والاجتماعية، التي اعتمدها، من أجل تحسين ظروف العيش المشترك بين جميع المغاربة، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، و إصلاح الإدارة المغربية عبر ولوج زمن الرقمنة.

إلاَّ أن الطموحات الملكية تصطدم – دائمًا و أبدًا – بواقع القصور الذاتي عن سرعة التنفيذ و الإنجاز لدى الأحزاب المُشَكِّلَة لِحكومة تسير في إنجاه معاكسٍ للتوجيهات الملكية التي دعتِ كل أولئك الفاعلين إلى الترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان السير السليم للمؤسسات، بما يُعَزِّزُ الثقة والطمأنينة داخل المجتمع و بين كل مكوناته ، و التركيز على الاوراش الاجتماعية.

و ها نحن اليوم لازلنا نتابع انزلاقات الصراع الدائر بين مكونات الأغلبية التشريعية و التنفيذية من خلال مسلسل الهوس بتسريع زمن الحملات الانتخابية السابقة لأوانها،  و كذلك نشر خطابات التخوين و تبادل التهم حول التمويل الأجنبي و الأجندات المشبوهة. مع الاستمرار في تبديد الزمن السياسي الحاضر عبر تغييب حكمة التوافق ، و تغليب نهج المزايدات السياسوية و إفراغ الممارسة الحكومية من كل قيمة تضامنية مضافة بشكل ينسف أسس التناغم و الانسجام المطلوبَيْن. مما يجعل عناوين الحصيلة السنوية تُخْتَصَرُ مع استمرار التَّقْصير الحكومي في خدمة قضايا الوطن و المواطن التي  لا تقبل التأجيل و لا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها.

ها نحن بَعْد مرور ما يقارب سنة على خطاب العرش الذي ألقاهُ صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، نُعايِن و نُعانِي مع فَشلِ حكومة سعد الدين العثماني في تسريع وتيرة العمل على تنفيذ الاستراتيجية الإجتماعية الجديدة و القيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية، سواء في مجال الدعم والحماية الاجتماعية أو في تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية “RAMED”. بالموازاة مع الفشل الحكومي الذريع في إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة التي تعرف تفاوتات صارخة. و  كذلك تواضع المؤشرات التي تخص تحسين المناخ الاقتصادي و التنافسي للمقاولات و دعم المقاولات الصغرى ، و إدخال البعد المجالي و الجهوي و الترابي في منظور الاستثمار و خلق الثروة بشكل يؤدي إلى إحداث توازن مستقر بين الجهات الترابية. بالإضافة إلى ضعف في التدابير الوزارية الاستعجالية لِتعبئة الوسائل و معالجة الحالات الطارئة المتعلقة بالخصاص المائي.

و رغم حجم الإكراهات الموضوعية ، و رغم إحباطات الخَيْبات الحكومية ، و رغم انتكاسات نُخَبِهَا المُعيقة للصعود المنشود . يظل الأملُ واثقًا من قدرة الشباب المغربي على المشاركة المُنتِجَة في مسار إحقاق التغيير الديمقراطي المطلوب و الإصلاح التنموي المنشود. إذ لابد من انخراط الشباب بوعي و مسؤولية في نبذ سلوك التَّواكُل المقيت الذي جعل أحزاب الحكومة عاجزة عن الإنجاز الميداني الفعال. و ذلك من خلال الجنوح إلى سبيل المعرفة و الاجتهاد ، و الالتزام بالقانون والمُبادرة الحرَّة الشجاعة، و القطع بشكل صارم مع مظاهر التسيُّب و السلبية و الانغلاق و العدمية. كما أنَّه لا بد للشباب من استحضار المعاني البليغة التي تضمَّنَها خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس سنة 1999 : ” فَلْنَعْمَل يدًا في يدٍ لإنجاز ما نتطلَّع إليه من آمال وتحقيق ما ينتظرُنا من جليل الأعمال ، مُتَوَكِّلِينَ عليه سبحانه ، فهو نعم المولى ونعم الوكيل ( ومن يتَوَكَّل على الله فهو حَسْبُه) “.

و مع اقتراب موعد خطاب العرش لسنة 2019 و الذي يتزامن مع مرور 20 سنة على إعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية ، فإننا نحتفي بهذا العيد الوطني الغالي بكُلِّ ثقة في المبادرات الإصلاحية لجلالة الملك محمد السادس الممتدة منذ سنة 1999 ، و كذلك نحتفل بكل مشاعر الإعتزاز برصيد المكتسبات النوعية الذي راكَمَتْهُ تجربة التحول الديمقراطي في المغرب بفضل الإنجازات الملكية. و هذا ما يجعلنا اليوم نَنْحني احترامًا و تقديرًا أمام العمل الكبير و المجهود الجبار الذي تبذلُهُ المؤسسة الملكية في سبيل حماية وحدة و استقرار الوطن  و تحصين دولة المؤسسات ، و استكمال بناء مجتمع الديمقراطية و الكرامة و المساواة.

عبد المجيد مومر الزيراوي

رئيس اللجنة التحضيرية لحزب المشروع الديمقراطي الحداثي

شاهد أيضاً

لماذا لا نعيش “إسلام النرويج” ؟

لست أدري من نشر دعابة مفادها أن الدول المتقدمة في شمال أوروبا والتي تحتل المراتب ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *