ردا على من يعتبر الحوار القانوني معركة فئوية

 صحيح أن المنهجية التي خاضت بها هيئات المحامين ” معركة ” مواجهة نص المادة التاسعة لم تتخلص من التردد على مستوى حجم التعبئة والإقناع القانوني ، رغم ان تخصص هيئة الدفاع هو الترافع والحجاج ؛ غير أن هذا الوضع لا يعني البتة بأن مطلب التراجع عن اقرار المادة لا يعدو ان يكون مجرد مطلب فئوي مرتبط فقط بحقوق المحامين في العلاقة مع استخلاص الاتعاب ، فرغم التراخي والارتباك والبطء في التفاعل ؛ فإنه في الواقع وفي حقيقة الأمر ما يقوم به المحامون والمحاميات تجاه المادة التاسعة من مشروع قانون المالية ليس فعلا فئويا ، بل نضالا حقوقيا عاما شاملا ، غير بعيد عن استراتيجيا البناء الديموقراطي لدولة المجتمع ؛

فالوعي المهني المؤطر ببعد فكري حقوقي استراتيجي اقتضى لدى عقل القيادة المهنية المخضرمة من نقباء وحقوقيين وخبراء قانونيين ، القيادة المتبصرة و المفترضة تراكما ونضجا ، اقتضى أن تواجه مشاريع تعديلات الترسانة القانونية ذات الصلة برسالة بنبلها الراقي المعهود ومنظومة العدل بوعائها الحاضن والدافئ لمبادئ العدالة والإنتصاف والحقيقة القضائية ، دون الخضوع لأي ضغوط أو مساومة ، فالسكوت عن تمرير مقتضيات قانونية تشرعن لكل تملص من احترام تعاقدات الدولة ، باعتبار ان التزاماتها عقد شريعة مع المواطنين ، ومحصنة بالأمن القانوني والأمن القضائي ، وما احترام الاحكام القضائية كعنوان للحقيقة والعدالة ، سوى تكريس لهيبة الدولة وسيادة القانون ، من هنا لا يعقل أن نحتج أو نتحجج بان الامتناع عن التنفيذ تحت قناع تأجيل اجراء الحجز بعلة ضمان مبدأ استمرارية المرفق العمومي ، لأنه لا جدوى من تبرىة ذمة مرفق عمومي لا يحترم أركان مبدأ الاستمرارية ، وعلى رأسها الخضوع للرقابة والمحاسبة ، ناهيك عن الحكامة وحسن التدبير ، والذي تطور التعريف بصدده بأن صار كل سوء تدبير وفساد مخالفة بمثابة ” جريمة مالية ” تبت فيها المحاكم المالية .

لذلك فالمحامون ينتسبون هم ايضا الى نظرية الموظف الفعلي ، باعتبارهم يشغلون قطاعا واسعا يؤدي وظيفة المرفق العام ، ولا يتصور الدولة دون رجال ونساء يساهمون في تيسير انفاذ القانون ، وما حركتهم هذه الايام إلا قسط من مبادراتهم التشريعية كشريك وقوة اقتراحية تروم صون المؤسسات من عبث الشطط في استعمال السلطة ومن التعسف في استعمال حق الدولة في حماية استمرارية المرفق العمومي ، فحتى محاولة تجريم الإضراب يبدو في ظاهره وسيلة للحفاظ على استمرار المرافق العمومية في تقديم الخدمات ، غير انه لا حق مقابل انتهاك حريات وحقوق مشروعية ، وكل تعسف في استعمال القانون او تحريفه هو فتح الابواب مشرعة لعودة نظرية فعل الأمير ، والعهد الجديد يعتبر بأن القطع مع ممارسات الماضي لن يتأتى سوى بسن مفهوم جديد للسلطة ، وأن ضمانات عدم تكرار اعطاب الماضي وانتهاكاته تقتضي سن استراتيجية عدم الإفلات من المحاسبة والمساءلة والجزاء او العقاب ، وهذا من صلب المفهوم الجديد للعدل ، الذي يضفي قيمة مضافة للنظام الجديد إن ناهض المفاهيم التقليدانية لتفوق الإدارة على غيرها من المرتفقين ، لأن عدم المساواة امام القانون والقضاء أفظع من جريمة إنكار العدالة .

مصطفى المنوزي
رئيس اكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

شاهد أيضاً

مجلس الدولة المستشار القانوني السامي للدولة

تحت عنوان “”مجلس الدولة تكريس للأمن القضائي ضد تعسف الإدارة “” نشرنا مقالا في بحر ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *