حالة متطرفة من الظلم!

بقلم: عبد الله الحلوي 

توزيع ما يقارب ثلاثة قرون من السجن على الشباب الأمازيغي الريفي أمر محزن جدا وغريب جدا ولكنه ليس مفاجئا ولا ينبغي أن يكون كذلك. فقد وصلت علاقة المخزن بإيمازيغن اليوم إلى وضعية قد نسميها ب”حالة متطرفة من الظلم” Extreme case of injustice.

“الحالة المتطرفة من الظلم” هي عندما تظلم فئة اجتماعية معينة على جميع المستويات (الثقافية، الإجتماعية، الإقتصادية، الحقوقية …)، وتُمعِن في ذلك وتُصِرُّ عليه دون أن تكترث حتى بإضفاء طابع المشروعية على ظلمك، ودون أن تخاف من الإدانة الوطنية أو الدولية، مستهينا بردود الأفعال الشعبية الممكنة. فالظلم المتطرف لا يحتاج لإيهامك بالعدل لأنه يظلمك ويتحداك بممارسة هذا الظلم بشكل مباشر إمعانا في إذلالك وسعيا إلى تطويعك بشكل تام.

فإيمازيغن لم يتعرضوا للظلم فقط، بل تعرضوا لحالة متطرفة من الظلم! .. تنهب معادنهم وغاباتهم وثرواتهم السمكية ورمالهم بشكل منهجي وبمستويات قياسية دون أن يسمح لهم بالإعتراض على ذلك (حالة إيميضر، والحسيمة مثلا). وإذا اعترضوا على ذلك يلقى بهم في السجن ويستمر الناهب في نهبه بنفس الوتيرة وأكثر.

بل إن الموظفين الأيديولوجيين للدولة، كالرجل اللدائني المسمى “منار السليمي”، لم يعودوا يُستعملون في إضفاء الشرعية على الظلم كما كان الأمر سابقا .. فلم تعد هناك حاجة ملحة لهم بعد أن طُبِّع مع حالة الظلم المتطرف، وبعد أن أصبح هضم حقوق إيمازيغن في وجودهم المادي والثقافي مجرد “أخبار” يومية تملأ بها الجرائد فراغ صفحاتها.

لم يعد “السليمي” محتاجا لاتهام الزفزافي ب”التشيع”، وتلقي أموال من “الصهيونية” وغير ذلك من الاتهامات التقليدية الجاهزة (وشديدة البلادة)، بكل بساطة لأنه هو وأمثاله من المثقفين المنافقين أصبحون يعون بأنهم صاروا مجرد خِرقة نجسة لم يعد المخزن في حاجة إليها.

بل إن المخزن لم يعد يكترث حتى للنتائج المحتملة التي يمكن أن تنتج عن هذه الحالة المتطرفة من الظلم، خصوصا ونحن في سياق احتقان اجتماعي تحولت فيه مقاطعة بعض المنتوجات إلى ثقافة شعبية ثابتة، وتعددت فيه نقاط التوتر (الريف، جرادة، إيميضر، ..)، وانتشر فيه الإستياء من تدبير الشأن العام إلى حدود قصوى. فمن مظاهر الظلم المتطرف أن يمارس الظالم ظلمه وهو واثق من تحكمه التام في الناس الذين يظلمهم، وواثق من أنه في وضعية آمنة قد تسمح له بالإفلات من نتائج أي ردود أفعال كارثية. وكأنما لسان حاله يقول: إذا انفجرت أي قنبلة فستنفجر في أيديكم وليس في يدي.

من مظاهر وضعية الظلم المتطرف الطريقة الغريبة التي تعامل معها المخزن مع ملف اللغة الأمازيغية. فقد نص دستور 2011 على الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وجعل من إنزال القوانين التنظيمية (التي من بينها القانون التنظيمي المفعل للطابع الرسمي لهذه اللغة) مطلبا مستعجلا ينبغي تحقيقه في فترة ولاية الحكومة الأولى. وهو الأمر الذي لم يتراجع عنه المخزن فقط، بل لم يكترث حتى لتبرير هذا التراجع، ولم يبذل أدنى جهد حتى في توهيم الشعب بتعاطفه مع الثقافة الأمازيغية (كما فعل جينيرالات الجزائر الذين رسموا رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا).

من مظاهر الظلم المتطرف أيضا أنه حُكم على قاتل نفس بنصف عقوبة من احتج على الظلم! أقسى حكم صدر في حق قتلة عمر إزم كان هو 10 سنوات .. بينما حكم على رجل مارس حقه في الإعتراض السياسي والإجتماعي ب 20 سنة! وبهذا يوصل المخزن رسالتين واضحتين لا لبس فيهما: “أولهما أن الدم الأمازيغي رخيص، وثانيهما أن أكبر الجرائم هي أن تعترض عليه!” هذا هو الظلم المتطرف عندما يعبر عن نفسه بلغة الأرقام.

الظلم المتطرف لا يحتاج لإيهامك بالعدل لأنه يظلمك ويتحداك بممارسة هذا الظلم بشكل مباشر إمعانا في إذلالك وسعيا إلى تطويعك بشكل تام.

شاهد أيضاً

تجديد الخطاب الريفي

بعد مرور ثلاث سنوات على طحن الشهيد محسن فكري وانطلاق شرارة حراك الريف، وما تداعى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *