ثلاث بابوات من أصل أمازيغي.. أحدهم كان هو من أقر عيد الحب

لازال الغموض يكتنف تاريخ دخول المسيحية إلى شمال افريقيا، خاصة منطقة المغرب الكبير، لكن الأكيد هو أن المسيحية كانت قد ظهرت وتطورت سنة 180م، التي ستعرف أحداث الاضطهاد الروماني للمسيحيين بها، وإن كانت عدد من المؤشرات تؤكد على أن المسيحية كانت قبل هذا الوقت بفترة طويلة، بل تذهب بعض الدراسات إلى أن الوجود المسيحي بشمال افريقيا يرجع إلى فترة الرسل الأوائل.

أيا كان الأمر فإن الأكيد أن المسيحية قد حضرت بقوة، وأفرزت أسماء كان لها وزنها في سماء اللاهوت المسيحي، وتكشف قائمة بابوات الكنيسة الكاثوليكية عن وصول ثلاث أمازيغ إلى تولي منصب البابوية الذي يعد أرفع منصب ديني في الكنيسة الكاثوليكية، ويعد ممثلا للمسيح على الأرض، وخليفة للقديس بطرس.

البابوات الثلاث الذين ينحدرون من أصول أمازيغية، والمولودين بشمال افريقيا، بصموا تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ببصمات خاصة، وأحدثوا آثارا لازالت إلى اليوم، كما عايشوا مراحل صعبة في تاريخها، وهو ما جعل الكنيسة ترفعهم إلى اعتبارهم قديسين، تخصص أيام لتخليد ذكراهم كل سنة.

البابا القديس فيكتور الأول (189-199)

فيكتور الأول هو البابا الرابع عشر للكنيسة، واعتبر قديسا يحتفل بذكراه في 28 يوليوز من كل سنة، تولى أسقفية روما سنة 189م وظل على رأسها حتى توفي سنة 199، يعتبر أحد أهم بابوات الفترة المسيحية الأولى، إذ يعتقد أنه توفي شهيدا جراء الاضطهاد الذي كان يتعرض له المسيحيون من الأباطرة الرومان. خلال السنوات الخمس الاولى من فترة بابويته الأولى عايش حكم الامبراطور كومودوس الذي توقف عن اضطهاد المسيحيين قبل أن يتلوه الامبراطور سيفيروس المنحدر بدوره من أصول امازيغية والذي شد الوطأة على المسيحيين ولاحقهم بشراسة، لذا يعتقد أن فيكتور الأول مات مقتولا على يديه.

 

البابا فيكتور الأول ترك بصمات واضحة على تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، فقد غير لغته من الأمازيغية إلى اللاتينية، كما حول لغة العبادة والصلاة في الكنيسة من اللغة اليونانية إلى اللاتينية، وكان أول من أرسل بعثات تبشيرية إلى اسكتلندا.

واجه الباب فيكتور الأول عدة قضايا عقدية، كان من أهمها الاحتفال بعيد الفصح فبينما أصرت بعض الجماعات إلى الاحتفال به يوم 14 أبريل الموافق لعيد الفصح اليهودي، وبينما ذهب آخرون إلى الاحتفال به في أي يوم آخر، دافع فيكتور عن فكرة الاحتفال بذكرى موت المسيح يوم الجمعة وقيامته يوم الأحد، وهدد بالقطع والحرمان كل من يخالف تعليماته، قبل أن يتراجع تحت ضغط من القديس إيريناؤس.

قاوم البابا فيكتور أيضا حركة المونتانية على يد مونتانوس في آسيا الصغرى، وامتدت لبقاع كثيرة، وأحدثت خلافات اضطر معها البابا إلى ارسال رسائل سلام الكنيسة فيها، كما واجه حركة التاجر البيزنطي تيدوتس الذي كان ينادي بأن المسيح لم يكن إلها ولكن إنسانا من طبيعة خاصة.

هيكل البابا فيكتور عددا من الأسقفيات، وترك مجموعة من الرسائل والمؤلفات التي تضبط اللاهوت المسيحي، لازال بعضها يدرس إلى الآن في المعاهد الدينية.

البابا القديس ملتيادس (311-314)

البابا ملتيادس هو البابا الثاني المنحدر من أصول أمازيغية، والبابا الثاني والثلاثين للكنيسة الكاثوليكية، تولى البابوية من 2 يوليوز 311 إلى 10 يناير 314، واعتبر قديسا يحتفل بذكراه في العاشر من يناير من كل سنة. جاء حكم البابا ملتيادس لينهي فترة فراغ الكرسي البابوي (الكرسي الرسولي) التي دامت حوالي سنة بعد وفاة البابا أوسابيوس.

خلال بابوية ملتيادس سيتوقف الاضطهاد الروماني للمسيحيين، إذ سينتصر الامبراطور قسطنطين على غريمه مكسنتيوس، والأول كانت والدته قديسة مسيحية (هيلانة)، فأهدى البابا قصر لاتيرانو سنة 312، الذي سيصبح مقر إقامة البابا ومقر الحكم البابوي. لكن الحدث الأهم كان هو مرسوم ميلانو الذي صدر سنة 313 والذي بموجبه اتفق الإمبراطور قسطنطين والامبراطور ليسينيوس على منح حرية ممارسة العقيدة للمسيحيين وأصحاب الديانات الأخرى، كما أعاد ممتلكات الكنيسة إليها التي صودرت في فترة حكم الامبراطور ديوكلتيانوس، والاعتراف بها كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية لتنتهي بذلك فترة سوداء في تاريخ المسيحية.

واجه البابا ملتيادس قام الحركة الدوناتية وعدد من الحركات المنشقة بصرامة، وفي الآن نفسه كان يحاول احتواء الكل حتى معارضيه من أجل أن يعم السلام في الكنيسة.

البابا الثالث القديس غاليلوس الأول (492-496)

البابا الأمازيغي الثالث هو البابا غاليلوس الأول وهو البابا التاسع والأربعين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، اعتلى كرسي البابوية في 1 مارس 492، وظل فيه إلا ان توفي في 19 نونبر 496، واعتبر قديسا بسبب خدماته للكنيسة، وأصبحت تخلد ذكراه في 21 نونبر من كل سنة.

رغم أن فترة بابوية القديس غاليلوس الاول لم تتجاوز الأربع سنوات و265 يوما، إلا انه ترك أثرا عميقا في الكنيسة الكاثوليكية، وكان وراء عدد من التحولات لازالت تأثيراتها ممتدة إلى اليوم، إذ أنه خصص وقته لمحاربة الفرق “المبتدعة” ، وأصدر قائمة حددت أسماء الكتب المقدسة القانونية والكتب الممنوعة والمرفوض قراءتها، من بينها إنجيل برنابا وإنجيل بطرس، وغيرهما. كما واجه البابا غاليلوس سلطة الأباطرة واعتبر ان الامبراطور لا يعدو أن يكون سوى أحد الرعايا المسيحيين الذي يجب عليه الخضوع لسلطة الأساقفة.

في سياق محاربته للطقوس الوثنية، جاء بفكرة إقرار يوم 14 فبراير كيوم رسمي لعيد الحب، واختار هذا اليوم لتعويض عيد اللوبركاليا Lupercalia الذي كان يعقد في الخامس عشر من فبراير كل سنة، والذي اعتبرته الكنيسة طقسا محظورا وغير مسيحي، لأنه كان يقام تكريماً للوبركوس، إله الحقول والقطعان.

خلف البابا عددا من الكتب وحوالي 29 رسالة مطولة تتضمن تصوراته التي لازالت تدرس ضمن الصيغ الليتورجية للكنيسة اللاتينية حول الخطيئة الأصلية، الطبيعة المزدوجة البشرية والإلهية للمسيح. إضافة لذلك فقد عرف عن البابا زهده وميله للإحسان للفقراء وقد مات في فقر مدقع.

المصدر: موقع “Le Desk

 

شاهد أيضاً

مكناس. أساتذة ومهتمون يُناقشون “إكراهات” تدريس الأمازيغية

أجمع عدد من الأساتذة والمهتمين على أنّ ملف تدريس الأمازيغية بالمغرب، يعيش مشاكل كثيرة و”ضبابية” ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *