تيفيناغ أكثر تطورا من الحرف اللاتيني

بقلم: د. عبدالله الحلوي

الوظيفية”the functional optimality، وأنه بذلك متفوق على النظام الكتابي اللاتيني متجاوز بـ”أمثليته الوظيفية” لنقاط ضعف هذا الخط واسع الاستعمال.
سأبدأ مقالي بتحديد المجال العلمي الذي ينبغي أن نقيم في إطاره “قابلية الخط للاستعمال الكتابي” و”أمثليته”، لأنطلق بعد ذلك إلى توصيف معايير التقييم في هذا المجال، وإلى تطبيق هذه المعايير على “تيفيناغ المعاصرة”. كما سأختم المقال باقتراح مباحث علمية تدور حول معيار “الأمثلية الوظيفية” قد تهم الباحثين المتخصصين في قضايا اللغة الأمازيغية على مستوى الماستر والدكتوراه.
سأخصص مقالة قادمة لتفوق “تيفيناغ المعاصرة” على النظام الخطي العربي أيضا من جهة “الاستعمال الكتابي” و”الأمثلية الوظيفية”.

في أي إطار ندرس “تيفيناغ المعاصرة” ونقيم أداءها؟

المبحث العلمي الذي يهتم بدراسة الأنظمة الخطية، بمقارنتها مع بعضها البعض وبتقييم أدائها في مجالات التعليم والتكنولوجيا والإعلام والفضاءات العامة يسمى بـ”الدراسات الكتابية” Literacy Studies وهو فرع من فروع اللسانيات التطبيقية.

لأخذ فكرة مجملة عن هذا المبحث العلمي وعن مجالات التحقيق فيه، أقترح على القارئ الكريم قراءة الجزء السادس من كتاب عنوانه Mapping Applied Linguistics: A Guide for students and practitioners ألفه Christopher, J. وآخرون، نشر سنة 2017. ولتعميق فهم الباحث لقضايا ووظائف استعمال الخط للقراءة والكتابة، أقترح على من يرغب في إنجاز بحوث جدية في هذا المجال أن يبدأ بدراسة كتاب عنوانه Literacy: An Advanced Resource Book الذي ألفه Street وLeftstein ونشر سنة 2007، فهو شامل بما يكفي لا ينقصه سوى البعد التاريخ للخط. لذلك، أنصح الطلبة الذين يودون استكمال فهمهم للبعد التاريخي للنظام الكتابي من وجهة تاريخية أن يدرسوا كتابا لـ Fisher عنوانه “A History of Writing” نشر سنة 2001، بالإضافة إلى كتاب لـ Tolchinsky عنوانه The Cradle of Culture and what Children know about writing نشر سنة 2003 يجمع بين البعدين الاجتماعي والتاريخي للأنظمة الكتابية.

هذا هو الإطار العلمي العام الذي تدرس فيه الخطوط ووظائفها وتواريخها وأساليب أدائها. من إيجابيات ما وقَعَة الباحث لنفسه في هذا الإطار أنه سيصبح بانخراطه فيه مدركا لأساليب تقييم الأنظمة الكتابية ومناهج تأهيلها وتطويرها وأنه سيكتسب معرفة بالموارد والمعطيات التي تراكمت خلال أكثر من نصف قرن من البحث. كما أن هذا الانخراط سيفيد، على الخصوص، الباحثين في مجال النظام الكتابي لتيفيناغ في علاقتها بقضايا تدريس اللغة الأمازيغية وتحليل المعطيات الإيپيڭريفية وخدمة قضايا البعد الأمازيغي لبلدنا بصفة عامة.

هل اختيار خط لكتابة لغة من اللغات مسألة تافهة؟

الجواب على هذا السؤال هو: لا. اختيار استعمال خط من الخطوط ليس مسألة تافهة أو ثانوية، بل هو مسألة مهمة لأسباب سأذكرها في هذا الجزء من مقالي.
من الأخطاء الاستدلالية التي قد يسقط فيها من لا يتوفر على فهم ناضج لطبيعة النظام الكتابي ووظائفه أن يرتب نتائج خاطئة على فكرة فردناند دي سوسير حول “اعتباطية الدليل” (أي الفكرة التي مؤداها أنه لا توجد علاقة منطقية أو طبيعية بين صورة الكلمة، الدال، وما تدل عليه تلك الصورة من معنى، المدلول).

ف”اعتباطية الدليل” أصلٌ يميل الخروج عنه إلى النُّدرة، فلا يُعتبَر بوجوده لأن نُدرته تدخله في باب الأصل الذي يؤكد القاعدة.

فإذا كانت علاقة الخط بالمكتوب علاقة اعتباطية، ألا يحق لنا أن نستنتج أن اختيار خط دون غيره (كأن نختار استعمال اللاتينية في كتابة الأمازيغية بدل تيفيناغ) مسألة ثانوية لا نحتاج أصلا لمناقشتها والتداول في شأنها مع ما تنطوي عليه هاته المناقشات وتلك المداولات من الانتصار لخط دون آخر؟ أليست مسألة الخط مجرد مضيعة لوقت قد نفضل استثماره في الأهم وهو خدمة اللغة الأمازيغية بتنزيل مقتضيات ترسيمها (كإدماجها في المنظومتين التربوية والقانونية) أو بالنضال من أجل ما يدعم الوجود الأمازيغي نفسه (كالنضال من أجل “أكال” والثروات الطبيعية)؟

من أوجه الوهم في مثل هاته الآراء أنها تغفل أن هناك اختلافات جوهرية بين الأنظمة الصوتية للغات، التي علاقتها بالمعنى اعتباطية لا شك في ذلك، والأنظمة الكتابية التي تكتسب، رغم اعتباطية علاقتها بالمعاني، نوعين من القيمة ينبغي نحقق في مضمونهما. النوع الأول نسميه بـ”القيمة الثقافية ” والنوع الثاني نسميه بـ”القيمة الوظيفية”. سأفصل في شرح ما أقصده بـ”القيمة الرمزية” في هذا الجزء من المقال لأعود في الجزء الموالي إلى شرح “القيمة الوظيفية”.

يكتسب النظام الخطي قيمته الثقافية (قد تسميها أيضا “القيمة الهوياتية” أو “القيمة النفسية” أو “القيمة الرمزية”، إلخ) من كونه يعبر عن النضوج الحضاري لشعب من الشعوب: فنحن نتعلم من كتاب Morton الذي عنوانه a history of human technology أن الأنظمة الكتابية كانت من بين آخر ما اخترعته الحضارات القديمة وكلّلت به نبوغها )مأخوذا بمعنى “التفرد” و”التميز”، وهما مسعيان مشروعان، وليس بمعنى “التفوق” و”الأفضلية”، وهما مسعيان عنصريان مذمومان(. فأقدم الأنظمة الكتابية التي نعرفها ظهرت منذ 5000 سنة فقط، بينما ظهرت الجعة في الصين منذ 10000 سنة، وظهرت صنارات الصيد في إيطاليا منذ 14000 سنة، وظهرت الألبسة المصنوعة بالحياكة منذ 25 ألف سنة، وظهرت الأدوات الموسيقية منذ 35000 سنة بألمانيا، وظهر أحمر الشفاه منذ 70000 سنة في جنوب إفريقيا. بل إن اللغة نفسها قد ظهرت بحوالي 50000 سنة قبل ظهور الكتابة.

بهذا المعنى، فإن النظام الكتابي جاء ليكون “تاجا” لكل الإنتاجات الحضارية التي حققتها الشعوب قبلا، بل لتخليدها وتثبيت الممارسات الاجتماعية المتصلة بها. فإذا كنا نصر على استعمال تيفيناغ في كتابة الأمازيغية فإن مرد إصرارنا أن نحتفل (celebrate) ببلوغ وعي الإنسان الأمازيغي لمرحلة “التاج” الذي كلل به نضجه الحضاري بإبداع خط ثبّت به ما حققه من منجزات حضارية. وإذا كان أعداء الأمازيغية يصرون على تعويض تيفيناغ بغيرها فإن مرد هذا المسعى عند أغلبهم أن يشككوا في النضوج الحضاري للأمازيغ وأن يؤبّدوا أسطورة “كانوا يسكنون الكهوف ويلبسون الجلود”.

بهذا المعنى فالموقف من “تيفيناغ” ليس مجرد “تقرير تقني” نعبر به عن الأفضلية الوظيفية لـ”تمثيل رمزي” بالمقارنة مع “تمثيل رمزي آخر” يجمع بينهما أنهما مجرد تمثيلين اعتباطيين لنفس “المدلول” وهو اللغة الأمازيغية وما عُبّر بها من شعر ونثر عن حياة الإنسان الأمازيغي، بل هو موقف سوسيو لساني قد يُترجم إلى رهان سياسي يعبر عن موقف الإنسان الأمازيغي من حضارته القديمة التي كلّلها بإبداع خط خلّد به إنجازاته، أو موقف إنسان يشكك في بلوغ الوعي الأمازيغي لمرحلة التمثيل الڭرافي للمنجزات.

ولربما اعترض المعترض على كلامنا هذا بقبول فرضية بلوغ الإنسان الأمازيغي لمرحلة التعبير الڭرافي عن منجزاته وعدم قبول التلازم بين التسليم بذلك والتسليم بضرورة استعمالها اليوم. فيكون مجمل الاعتراض أن التسليم بـ”نبوغ” من أبدع تيفيناغ شيء، والدعوة إلى استعمالها اليوم شيء آخر لا يُدعى له إلا بدليل. فيكون الفرق بين دعوانا ودعوتنا، من جهة، ودعوى المعترض ودعوته، من جهة أخرى، أنه لا يسلّم بوظيفية النظام الكتابي الأمازيغي تيفيناغ رغم تسليمه بقيمته الثقافية (الرمزية، إلخ). فيصير مناط مشروعية النظام الكتابي الأمازيغي، تيفيناغ، الاستدلال على “وظيفيته”functionality.

سأبين من خلال الجزء الموالي من مقالي أن اللسانيات التطبيقية، وخصوصا فرعها المتعلق بمبحث Literacy Studies، تمكننا من تعميق فهمنا لمعايير “الوظيفية” بشكل علمي، وأننا إذا ما استخدمنا هذه المعايير لتقييم نظام تيفيناغ، فسينكشف لنا أن هذا النظام يفضُل النظام اللاتيني في “أمثليته الوظيفية”. وبذلك نضيف إلى القيمة الرمزية لخط تيفيناغ، التي لا تكفي المعترض للتسليم بضرورة استخدام تيفيناغ في كتابة الأمازيغية، قيمة أخرى وهي “وظيفيته” الأمثلية Optimal functionality

القيمة الوظيفية لخط تيفيناغ

ممّا يميز الطابع الاعتباطي للنظام اللساني (الأصوات اللسانية + المعجم + قوعد بناء المفردات + قواعد بناء الجمل) عن الطابع الاعتباطي للنظام الكتابي أن النظام الأول يتغيّر ولا يتطور (It changes but does not evolve)، أما الثاني فيتغير ويتطور (It changes and evolves). فالثابت عند أهل النظر اللساني أن تغير النظام اللساني خاصية من خصائصه التصميمية design properties تخضع لها جميع اللغات بدون استثناء. لكن خضوعها لهذا التغير ليس تطورا (= ارتقاء) من حال للغة تكون بمقتضاه “بسيطة” و”فقيرة” إلى حال تصير معه “معقدة” و”غنية”.

فإذا كانت اللغة الإنجليزية القديمة، مثلا، قد تغيرت بفقدان نظامها الإعرابي المورفولوجي وبما نتج عن ذلك من جمود في ترتيب الكلمات في جملها، فإن الإنجليزية المعاصرة قد استعاضت عن الإعراب المورفولوجي المفقود بتكثير بُناها الجُملية. وإذا كانت الإنجليزية المعاصرة قد أضافت إلى معجمها ألفاظا لم تكن موجودة فيها قبلا، فإنها لم تفعل ذلك إلا في إطار نظامها الاشتقاقي والصوتي، كما أنها فقدت الكثير من مفرداتها القديمة التي أصبحت مهملة في الاستعمال اليومي.
ليست هذه هي حالة النظام الكتابي، وليس هذا ما نستفيده من تراكمات اللسانيات التطبيقية. فعندما ننظر في مراحل تغير الأنظمة الكتابية، نلاحظ أن كل مرحلة متأخرة من هذا التغير تتضمن “إيجابيات مقارنة” comparative advantages تنعدم في مرحلة متأخرة. لفهم معنى هذه القاعدة العامة، سأشرح أولا معنى “الإيجابية المقارنة”.

“الإيجابية المقارِنة” مصطلح بدأ استعماله أولا في علم الاقتصاد لينتقل بعد ذلك إلى البيولوجيا الارتقائية والأنتروپولوجيا البيولوجية (أنظر مثلا Hammerstein وNoe في مقالة لهما عنوانها Biological Trade and Market نشرت في Philosophical Transactions B سنة 2016). ومعنى هذا المصطلح هو “تلك الخاصية التصميمية التي يطورها الكائن العضوي، فتزداد لهذا الكائن باكتسابه لها فرص البقاء التي قد تحرم منها الأنواع البيولوجية الأخرى التي لم تمكنها تحولاتها الجينية من الاستفادة من نفس الإيجابية المقارنة”، من ذلك مثلا أن الكائنات العضوية التي طورت قدرة على “استطابة الحلاوة في الطعام” إيجابية مقارنة أعطت للهومينيد حافزا قويا لتناول النشويات (وهي ضرورية لاكتساب الطاقة)، ف”استطابة الحلاوة” ايجابية مقارنة. من الأمثلة على الإيجابيات المقارنة الأنتروبولوجية التي طورها الهوموساپيان استغناؤه عن وظيفية استعمال اليدين في المشي (وهو ما حرر يديه لصناعة الأدوات)، وتقديره النفسي لسعة خصر الأنثى (وهو ما رفع من إمكانيات الانجاب الناجح)، واستلطافه لهيئة الطفل الصغير (وهو ما وفر حماية للفرد أثناء فترات ضعفه)، وتدجينه لبعض الحيوانات كدواب الركوب، ودفنه للموتى، وشحذه للحجارة، إلخ. فاكتسابه كل واحدة من ذات الطابع تزيد في إمكانيات البقاء للفرد أو تسمح باقتصاد الموارد والتكاليف.

فإذا طبقنا هذا الفهم على تاريخ الأنظمة الكتابية، سنلاحظ أن كل مرحلة متأخرة (later stage) من مراحل تغيرها يكتسب النظام الكتابي “إيجابية مقارنة” تمكنه من أداء وظائف اجتماعية يحتاجها لهوموساپيان في بقائه.

من الإيجابيات المقارنة التي رصدها الايبيغرافيون ميل الأنظمة الكتابية الأحدث إلى التجزيئية discreteness، أي استعمال رموز أدنوية minimalist تعبر عن فونيمات مخصوصة وليس عن مقاطع أو أفكار. فأقدم الأنظمة الكتابية التي نعرفها لحد الآن كانت قد ظهرت في سومر (منذ 5500 سنة) والصين (منذ 3300 سنة) والميزوــ أمريكا (منذ 2600 سنة). إلا أن الجامع بين كل هذه الأنظمة الخطية أنها “لوڭوفورية”، أي أن كل رمز من رموزها يعبر عن وحدة معجمية (كلمة أو فكرة) باستعمال رمز واحد. إلا أن الالتباس الذي قد ينجم عن استعمال رمز من الرموز (كأن يدل اللوغوفور على العين والشخص) في الوقت نفسه، دفع هذه الأنظمة إلى تطوير نظام تكميلي يسمى بـ”الريبوس”، وهي ملحقات صوتية كانت غايتها الأصلية هي رفع الإبهام والالتباس عن معاني الرموز لتتطور شيئا فشيئا إلى غرافيمات، أي رموز تدل على أصوات مفردة (فونيمات).

فمن سلبيات هذا النظام أنه لا ينسجم مع الطبيعة الإنتاجية للغة التي اعتبرها هوكيت إحدى الخصائص التصميمية للغات الطبيعية (الإنتاجية = قدرة مستعمل لغة على إنتاج جمل لم ينتجها قبلا، وقدرته على فهم جمل لم يسمعها قبلا).
لذلك فإن الحروف الفينيقية التي استمدت منها العديد من الخطوط السامية والهندو أوروبية كانت في أصلها لوغوفورية: فكان الحرف الدال على صوت /ر/ يعني “الطائر”، والحرف الدال على الصوت /ع/ يعني “العين”، والحرف الدال على الصوت /د/ (“داليث”) يعني “باب الخيمة”، إلخ.

لهذا فنحن نعرف الكثير من الأنظمة اللوغوفورية التي تطورت إلى أنظمة غرافيمية (تستعمل رموزا دالة على الفونيمات)، ولكننا لا نجد أنظمة غرافيمية تطورت إلى أنظمة لوغوفورية. وبهذا المعنى، فإن غرافيمية النظام الخطي إيجابية مقارنة نتجت عن سعي الهوموساپيان إلى مواكبة إنتاجية لغاته الطبيعية.

فإذا ثبت عندنا بأن نظام تيفيناغ القديم بتنويعاته الليبية والتوارڭية هو نظام غرافيمي (وهو ما نملك أدلة غزيرة عليه قد نتناولها في مقال آخر)، وأن نظام تيفيناغ هو في جزئه الأكبر إبداع أمازيغي أصيل وليس مجرد تطوير للخط الفينيقي كما يعتقد عن خطأ (وهذا أيضا مدعوم بأدلة كثيرة سنفصل في بسطها في مقال آخر)، فإن النتيجة ستكون أن الإنسان الأمازيغي كان سباقا للمساهمة في التأسيس للثقافة الغرافيمية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

لذلك فعندما اتجه مهندسو تيفيناغ المعاصرة لتطوير هذا الخط بما يستجيب لمتطلبات التكنولوجيا المعاصرة وفونولوجية الأمازيغية المعيارية، لم يحتاجوا لبذل جهد كبير كذاك الذي كان اليابانيون مضطرون له، والذي نتج عنه نظام كتابي هجين مكون من ثلاثة أنظمة فرعية وهي نظام “الكاني” المستمد من النظام اللوغوفوري الصيني، و”الهيراغانا” وهو نظام مقطعي، و”الكاتاكانا” الذي يستعمل في كتابة الألفاظ غير اليابانية كأسماء غير اليابانيين. مما يشكل عبئا كبيرا على متعلمي اليابانية اليوم.

من الإيجابيات المقارنة التي طورتها تيفيناغ منذ بداياتها التاريخية ما يسمى بـ”التمايز الرقمي” numerical distinctness الذي معناه “ميل الغرافيم إلى تمييز نفسه عن الغرافيمات الأخرى بشكل مناسب للقدرات المعرفية للعين الانسانية. فمن بين المكتشفات العلمية المعاصرة التي عبر عنها Ken Goodman في كتاباته (1993-1996) أن عين القارئ لا تقرأ كل حرف على حدة لتعيد تركيب الكلمات والجمل بعد ذلك، بل إنها تنتقل من غرافيم، لا تركز عليه سوى لمدة تتراوح بين 200 و250 جزءا من الثانية، إلى غرافيم بعيد متخطية عددا من الغرافيمات فتقدِّر المعنى تقديرا قد تكون مضطرة معه للعودة للغرافيم الأول إذا لم يستطع الذهن بناء المعنى. فهذه هي الطريقة الطبيعية للقراءة التي تختلف عما يتصوره المدرسون عندما يحاولون دفع التلاميذ لـ”تلاوة” الكلام المكتوب حرفا حرفا. لذلك فنموذج غودمان ينسجم مع ما نعرفه عن تقدير متعلم اللغة لمعاني “المهيجات اللسانية” (في نظرية تشومسكي) وما تعلمناه عن ظاهرة “فاي” البصرية (phi phenomenon).

لذلك فإن من بين الإيجابيات المقارنة التي اكتسبتها الأنظمة الخطية الميل لإضافة التمايزات الغرافيمية عبر التاريخ. من ذلك مثلا أن النظام الخطي العربي كان مضطرا في مرحلة متأخرة إلى اعتماد نظام التنقيط لتصحيح ما نتج عن خضوع هذا النظام لمؤثرات مختلفة من ضعف في التمايز الرقمي. من ذلك مثلا أن الجيم العربية جاءت من أصل نبطي والخاء جاءت من أصل لحياني يشبه الجيم النبطية، فنتج عن التأثيرين أن الجيم والخاء كانتا متطابقتين تقريبا بينهما اختلاف قليل يحتاج لاستثمار العين لجهد كبير في تمييزهما.

أما عندما يدرس المرء تيفيناغ القديمة بجميع تنويعاتها، الليبية الشرقية والليبية الغربية، وتنويعاتها التوارڭية الستة المعروفة، فسيلاحظ أمرا مثيرا للانتباه وهو أنه لا يوجد غرافيم يشبه آخر بشكل تخطأه العين المجردة. من ذلك مثلا أن التنويعات التوارڭية التي تستعمل التنقيط في تمثيل بعض الأصوات ك /ه/ و/خ/ و/ك/ و/ق/ تستغل تمايز الشكل (فتستعمل التنقيط المربع لتمييز /خ/ عن /ك/ بنقطة ناقصة للغرافيم الدال على /ك/)، وتمايز البعدين الأفقي والعمودي (لتمييز /ق/ عن /غ/)، فلا يسمح هذا النظام بالالتباس. لذلك فقد كانت مهمة مهندس تيفيناغ المعاصرة في منتهى اليسر، ولذلك أيضا لا يجد متعلم تيفيناغ أي صعوبة في التعلم السريع لهذا الخط.

فإذا استعملنا نموذج غوفمان في فهم عملية القراءة، سنجد أن العين المجردة تقوم بمهمتين معرفتين متمايزتين: مهمة التركيز على معلم غرافيمي graphemic referential point (بين 200 و250 جزءا من الثانية)، وهذه المرحلة “أثقل” معرفيا على الدماغ، ومهمة “الرصد السريع” الذي يكون أشبه بإحساسنا غير المنتبه بالمهيجات الحسية التي تحيط بنا دون أن نركز عليها، وهذه المرحلة تكون “أخف” معرفيا على الدماغ. لذلك فإن التمييز الرقمي العالي الذي يميز تيفيناغ القديمة والمعاصرة كليهما إيجابية مقارنة لا ينبغي أن نغفلها في تقييم هذا النظام الكتابي.
من الإيجابيات المقارنة التي تميل الأنظمة الخطية لاكتسابها “التخلص من العبء التاريخي”Reducing historical burden . و”التخلص من العبء التاريخي” هو أن يتوقف مستعمل نظام خطي عن استعمال خاصية من خصائص هذا النظام لأن هذه الخاصية لم تعد لها وظيفة حالية، أو أن يغير من وظيفة الخاصية القديمة. من الأمثلة على ذلك أن الانجليزية القديمة عندما تبنت النظام الكتابي اللاتيني لأسباب دينية فقد تخلت عن الغرافيم k لإمكان التعبير عن الصوت /k/ ب c، وتخلت عن الغرافيمات v وz لأن قيمتهما الصوتية كانا مجرد ألوفونات يمكن أن يتنبأ بها القارئ انطلاقا من القواعد الفونولوجية للإنجليزية القديمة. كما أنها استعملت الغرافيم h لتمثيل /خ/ و/ه/ كليهما، واستعملت الڭرافيم g لتمثيل /ڭ/ و/دج/ و/غ/ جميعا وذلك لإمكانية التنبؤ بالنطق الصحيح باستعمال القواعد الفونولوجية للإنجليزية القديمة.

من الأمثلة عن “العبء التاريخي” الذي حملته اللاتينية وجود نظام مزدوج، واحد للخط الكبير uppercase وآخر للخط الصغير lowercase فالنظام اللاتيني لم يأت مباشرة من النظام الفينيقي كما هو شائع بين عوام الناس، بل تطور من النظام اليوناني إلى نظام يسمى بـ”اليتروسكان” كان يستعمل في إيطاليا هو أصل النظام اللاتيني المعاصر. ومن خصائص الخط اليتروسكاني أنه لم يكن يستعمل سوى الحروف الكبيرة التي كانت أنسب للنحت، فتطور عنها في ما بعد الخط الصغير الذي هو في حقيقته حرف مموج مناسب للكتابة. وبدل أن يتخلى النظام اللاتيني عن الحروف الكبيرة فقد غير وظيفتها، فاستعملها لرقم بداية الجمل وتمييز الكلمات الخاصة كأسماء العلم. فبفحص أقدم المخطوطات التي تستعمل النظام الكتابي اللاتيني القديم التي تعود ل 509/10 ميلادية تبين بشكل واضح أن الحروف الكبيرة لم تكن يتضح أن الحروف الكبيرة لم تكس تستعمل لرقم بداية الجمل.

“صغر” الحرف في النظام اللاتيني، إذن، ليس تصغيرا حقيقيا، بل مجرد أثر من آثار التمويج الكتابي. واستعمال الحروف الكبيرة في بداية الجملة ولرقم الكلمات الخاصة ليس وظيفة أصلية بل أشبه ما يكون بتحويل قِدر فخاري قديم غير صالح لأي شيء لمزهرية نزين بها البيت. فباعتماد نظام التنقيط لم تعد الأنظمة الكتابية محتاجة لوظيفة رقم بداية الجملة بالحرف الكبير، والتمويج ليس خاصية من خصائص الغرافيم بل مجرد نتيجة طبيعية للكتابة.

لندرس مثالا محددا للوظيفية المعاصرة للخط الكبير في اللاتينية لنبين بأنه مجرد عبء تاريخي. خذ على المثال استعمال الحروف الأولى للكلمات initials لبناء الأكرونيمي (مثل AIDS الذي يختصر عبارة فقدان المناعة المكتسبة). من مظاهر العبء التاريخي في تسمية الغرافيمات أن لكل غرافيم اسم يختلف بنائه المرفولوجي عن أسماء الغرافيمات الأخرى. من ذلك مثلا أن الغرافيم f ينطق /ئيف/ والغرافيم b ينطق /بّي/، والغرافيم k ينطق /كا/، فإذا جمعت أسماء الغرافيمات الثلاثة في أكرونيم واحد ستكون النتيجة هي /ئف بّي كا/ ليس فيها ما يدل على كونها أكرونيم أو وحدة معجمية أصيلة. لذلك فإن تمييزها باستعمال الحروف الكبيرة سيساعد قارئ الفرنسية على أن يتبين أن الأمر يتعلق بأكرونيم وليس بلفظة أصيلة.

أما بالنسبة لتيفيناغ فإن الأمر يختلف تماما لأن أسماء الغرافيمات متجانسة كلها تبتدأ ب /يا/، فنسمي ⴼ “ياف”، ونسمي ⴱ “ياب” ونسمي ⴽ “ياڭ”، فإذا جمعت الغرافيمات الثلاث ستكون المحصلة ⴼⴱⴽ تنطق /ياف ياب ياك/ لن يشتبه القارئ والسامع في طبيعتها الأكرونيمية. لذلك فلا حاجة في الأمازيغية لرقم الأكرونيمات باستعمال “الحروف الكبيرة”. ولهذا فاستعمال خط يستخدم نظاما مزدوجا لكتابة الأمازيغية سيورث هذه اللغة أعباء تاريخية خصوصا في التعلم، واستعمال تيفيناغ سيجنبنا كل هذه الأعباء التاريخية.

من الإيجابيات المقارنة لتيفيناغ أيضا طبيعتها الفونيمية، أي أن كل حرف من حروفها يدل على صوت واحد معلوم. ومن الشواهد على أن فونيمية الخط إيجابية مقارنة أنه كلما كان استعماله متأخرا تاريخيا كلما كان الخط فونيميا، وكلما كان اختيار استعماله متقدما تاريخيا كلما كان أقل فونيمية. من الأمثلة الواضحة على ورود هذه المعادلة التعارض الواضح بين فونيمية phonemicityالكتابة الإسبانية (التي لم تبدأ كتابتها سوى في القرن 13 الميلادي) ولافونيمية non-phonemicityالكتابة الإنجليزية (التي تبنت الحرف اللاتيني في القرن السابع الميلادي). فالأصل في لافونيمية الكتابة في بعض اللغات أن النظام الصوتي لهذه اللغات يتغير بشكل لا يواكب الطبيعة المحافظة للخط فينتج عن ذلك فرق شاسع بين المنطوق والمكتوب. لذلك تضطر الأنظمة الكتابية للغات غير الفونيمية (كالإنجليزية) أن تبدع قواعد معقدة تنخرها استثناءات كثيرة للتوفيق بين المنطوق والمكتوب، كلجوء الإنجليزية لقواعد التجانس (مثلا: إذا كان الحرف i متبوعا ب n وd في آخر الكلمة).

أما في تيفيناغ، فلا يحتاج متعلم الخط لأي قواعد “إملائية” خاصة، كما لا يحتاج لحفظ أي استثناءات. فإذا لم تكن متكلما بالأمازيغية أصلا، وتعلمت القيم الصوتية لكل حرف من تيفيناغ، وقدمت لك العبارة التالية ⴰⵜⴱⵔⵉ ⴰⵔ ⵢⴰⵍⵍⴰ ⵢⴳⵍⵍⵉⵏ فإنك ستقرأها بيسر حتى ولو لم تستطع فهم معناها (معناها: “الحمام المسكين يبكي”). أما إذا قدمت لك العبارة الإنجليزية the bough laughed، بدون أن تدرس “القواعد الإملائية” المعقدة بشكل غير منتج للغة الإنجليزية، فإنك لن تستطيع أن تخمن طريقة نطقها (التي تنطق تقريبا /ذ باو لافت/) فضلا عن عدم فهمك لمعناها.

يمكننا بطبيعة الحال أن نستعمل الخط اللاتيني في كتابة الأمازيغية بعد أن نعيد هندسة استعمالها بتحديد قيم صوتية جديدة لوحداتها الغرافيمية وبضبط ماكرونات جديدة لتمثيل الاختلافات الصوتية الخاصة بالأمازيغية (كالتدوير، والتفخيم وغيرهما) وبتحويل هذا الخط إلى خط فونيمي مناسب. هذا كله ممكن ببذل جهد نظري وتطبيقي يعرفه المتخصصون جيدا .. لكن نفس الجهد الذي سنبذله لحل مشاكل الخط اللاتيني، يمكن أن نستثمره في ملاءمة تيفيناغ مع الاستعمالات المعاصرة.

من الإيجابيات المقارنة لخط تيفيناغ المعاصر أنه “متجانس هندسيا” أو لنقل “قابل للحوسبة “computable. “القابلية للحوسبة” مطلب نيورولوجي (ييسر التقاط العين لصورة الحرف وتعلمه) وتكنولوجي (يسهل عملية تحويل الحرف إلى تمثيل قابل للتصنيع الآلي والإلكتروني) في الوقت نفسه. فالحوسبة هي دائما المستوى الذي يتوسط تحويل التجربة الحسية (البصرية مثلا) إلى أداء مادي (أنظر Vision لـ David Marr 1982). ونقيس القابلية للحوسبة بقلة الرموز المستعملة واللوغاريتم ومحدودية العمليات التي نجمع بها هاته الرموز. فإذا حللنا المشترك بين كل حروف تيفيناغ، سنجد بأنها لا تخرج عن الشكل التالي: مستطيل مقام عموديا، يخترقه قطران، عمودي وأفقي، وقطران مائلان (من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار)، فتتكون بالأقطار أربعة مربعات نرسم قطريهما المائلين يشكل كل منها ربعَ المستطيل، ودائرتان، إحداهما تتوسط النصف الأعلى للمستطيل والثانية تتوسط النصف الأسفل للمستطيل، بالإضافة إلى دائرة كبيرة تحيط بكليهما في حدود المستطيل.

لنفترض أننا رمزنا لكل قطر ب (ⵣ)، بحيث يكون نصف القطر هو 2/ⵣ، ورمزنا للمحيط ب (ⵙ) بحيث (ⵙ1) هو المحيط الأقصر للمستطيل، و(ⵙ2) هو المحيط الأطول للمستطيل، ورمزنا للاتجاه ب ⵎ…ⴷ، بحيث ترمز ⴷ و ⵎ لبداية القطر ونهايته، والنقاط (أو أي رمز آخر) لاتجاهه، ورمزن لليمين ب (ⴼ) ولليسار ب (ⵥ) وللأعلى ب (ⴰⴼ) وللأسفل ب (ⴰⵣ)، ورمزنا للدائرة الصغرى ب (ⵔ1) والكبرى ب (ⵔ2)،. بهذا ستكون الحوسبة المناسبة لتمثيل الحرف ⴳ مثلا هي: (ⵙ1)+ ⵣ(ⴼ… ⵥ) + ⵣ (ⴼ… ⵥ). وستكون الحوسبة المناسبة للحرف ⵛ هي: (ⵔ1) + /2(ⵔ2) (ⵥ). بهذه الطريقة سننتج تمثيلا حوسبيا بسيطا لجميع حروف تيفيناغ لا نخرج في ذلك عن اللوغاريتم البسيط الذي وصفته أعلاه. لهذا فكان من السهل جدا إدماج هذا الحرف في الكود الدولي، ومن السهل جدا بناء ما لا نهاية له من اللوغاريتمات المشفّرة ّلتيفيناغ.

من الإيجابيات المقارنة لحرف تيفيناغ أيضا أنه خط غير “اتجاهي” non-directional بمعنى أنه يمكن كتابته من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار ومن أعلى إلى أسفل (وهذا هو الأصل فيه) ومن الأسفل إلى الأعلى. فاتجاهية الخط العربي مثلا هي ما يحرمه من إمكانية الاستعمال في اللوحات الاعلانية العمودية. وعدم إمكانية القلب في اللاتينية هو ما يحرمها من الاستعمال في الصور العكسية (بحيث تكتب كلمة Ambulance في سيارات النقل الصحي معكوسة لتبدو عادية في مرآة السائق المتقدم على الطريق، وهذا ما لا نحتاج له بالنسبة لتيفيناغ).

من الإيجابيات المقارنة لخط تيفيناغ أيضا أنه لا يحتوي سوى على حالة واحدة (وهي حالة الحرفين ⴳ وⴴ) من التناظر المرآوي، مما يجعله مناسبا للأشخاص الذين يعانون من الديسليكسيا والذين يشكلون ما بين 5 إلى 10% من الناس. أما اللاتينية فتحتوي على 12 حرفا متناظرا (6 حالات) وهي n وu، M وW، p وq، J وL، d وb…

شاهد أيضاً

حين يسبق الجواب السؤال فهذا لا يعني الإختلاف!

حين يسبق الجواب السؤال فهذا لا يعني الإختلاف.. بقدر ما يعني أننا في حاجة ماسة ...

تعليق واحد

  1. ماينا فلاك يعطيك الصحة كتابتك جميلة و روعة أكمل المشوار و شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *