بين قانون محاربة العنف ضد النساء والواقع..

إكرام كوحل

كفتاة عادية، ترتاد الشوارع العمومية، متعرضة لتحرش جنسي لفظي قد يكون قويا وخادشا للحياء أحيانا، وبمجرد ردي على مثل هذه الأفعال، خطفت أذناي عبارة “هاهيا غتجبد الصفارة”، بطريقة ساخرة، و هو موضوع كان قد أثير حول جمعية حقوقية، دعت إلى محاربة التحرش بواسطة صافرات، نظرا لتفشي الظاهرة بشكل غير منطقي، وعدم وجود ثقافة حول التحرش، فكلما تم التحدث عنه، ينظر إليه كموضوع متجاوز، بحيث يجب وضع النقاشات تحت كل ما هو اقتصادي وسياسي، غير أن الأهم يكمن بالدرجة الأولى بتوعية المجتمعات، و إدماجها و اعتبارها رأسمال بشري وجب استثماره بالطريقة الصحيحة، فلا الاقتصاد أو السياسة أو أي قطاع يمكن أن يستقيم قبل استقامة العقل البشري.

هل هي أزمة قماش ؟
حتى الأرقام حول التحرش الجنسي عامة بما فيها كل ما هو لفظي و جسدي ، نجد فيها للدول الأفريقية النصيب الأكبر ، فبالمغرب 7 من أصل 10 سيدات يتعرضن للتحرش الجنسي بالأماكن العمومية ، و ما خفي كان أعظم إذا ما تعلق الأمر بفضاءات العمل ، الشيء الذي خلق موجة من الرعب و استغلالا رهيبا للسلطة الذكورية على المرأة، ولم ينكر 60% من الذكور أنهم يتحرشون بالنساء يوميا ، فلو افترضنا أن المشكل راجع بالضبط إلى القيم الإسلامية ، و أسقطنا المرأة في وعاء اللباس غير المحتشم ، نجد أن الدول العربية تحتل الصدارة ، كمصر مثلا و التي صنفت بها القاهرة كأسوء المدن و الأقل أمانا بالنسبة للنساء ، نظرا لارتفاع الاعتداءات الجنسية ، في حين أن غالبية النساء بها متحجبات، و السويد كانت أسفل القائمة نظرا لانخفاض نسبة التحرش الجنسي بدولة معروفة بالانفتاح و توفر كل ما يمكن أن يعتبر حراما و ممنوعا بدول عربية و إسلامية ، الشيء الذي نخلص له، أن الإشكالية لم و لن تكون أبدا متعلقة باللباس ، و لو كانت كذلك لصلح الأمر بغض البصر ، فالمنكرات كثيرة ، و اللباس ليس أكبرها ، غير ذلك ، فكيف لبضع خصلات من شعر إنسانة بريئة أن يعطي الحق لشخص بنعتها بأبشع الصفات ، تحت أهازيج و تصفيقات أصدقائه ، ظنا منه أنه قد حقق هدفا في حياته.

من هو المتحرش ؟
والتحرش الجنسي سلوك له جانب متحكم نفسي يرتبط بإحساس نابع من نفس المتحرش يصور له القوة و”الفحولة” والوسامة، وهي صفات ترتبط بطريقة استجابة الفتاة لفعل التحرش بين الخجل وطأطأة الرأس وهو قوة للمتحرش وإحساس بالذكاء والسيطرة، وبين ابتسامة الفتاة من عبارات المتحرش وحركاته وهو إحساس لديه بالوسامة قد يشجعه على التحرش بفتيات أكثر وبعبارات وحركات مختلفة لتأكيد هذه الخفة والوسامة، وبين الإحساس “بالفحولة” وهو إحساس يسيطر على فئات واسعة من الشباب قد يصنع في شكله ما تستنكره النفس وتصدم له العين ويعجز اللسان عن رصده والتعبير عنه لغاية الوصول لاستجابة الفتاة في التحرش، والتي لا تحتاج في حالات كثيرة إلى كل هذا المجهود للاستجابة، وقد تصل لعبارات نابية وإيماءات جنسية بارزة تنزعج الفتاة لها وتهدد سلامتها النفسية بشكل عميق.

وقد يصل التحرش الجنسي لمستوى أخطر من خلال تعمد العبث بجسم الفتاة في الأسواق والأماكن العامة ووسائل النقل العمومي، وأحيانا تحت وقع التهديد أو الترهيب أو فقط يتحكم فيه خوف الفتاة من ردت فعل المتحرش والمجتمع من كشفها لجريمة التحرش الجنسي.

لماذا التحرش الجنسي ؟
فلا عجب لهذه الأفعال و المغرب يحتل مستوى متدن في مِؤشر التنمية و الرفاه ، و مراتب متأخرة في التمدرس، اذ أن القيم المغروسة هي ترسب لمبادئ لربما صلحت في القرون الوسطى ، غير أن التمسك بها و رفض الحداثة، جعل المؤسسات المسيرة لشؤون الدولة تضحي بكل ما هو مجتمعي، الشيء المنعكس سلبا على مجتمعاتنا الحالية. وبعد أن استغرق المغرب سنوات عدة، خرج أخيرا بقانون 13.103 والمتعلق بالتحرش الجنسي ضد المرأة، و ثارت ثائرة البعض من قيام وزارة الأسرة والتضامن بتبني مشروع قانون يجرم التحرش الجنسي، لكن يبقى لهم الحق في ما عرفه المشروع من معارضة واستنكار شديدين أولا من حيث طريقة بلورته، وثانيا المقاربة القانونية-الزجرية التي سيطرت على أحكامه. ثالثا صعوبة إثبات جريمة التحرش وفرزها عن باقي التعاملات العادية، وتوافدت صحف لتكتب عن الأمر و اختلفت ردود الأفعال حوله، غير أن أحد الصحف الصفراء اكتفت بكاريكاتير يمثل المرأة على هيئة شبه عارية و مركزا على أماكنها الحساسة، ناطقة بكون أن القانون سيحميها كيفما كانت الظروف، و الكل يعلم أن الكاريكاتير له مبدأ السخرية ، فرغم كونه قانونا مفعلا، تجد منابر إعلامية مثل هذه الأخيرة تستهزأ من الأمر، مختزلة المرأة بطريقة شنيعة، فثقافة التحرش الجنسي دفنت تحت مسمى العار و “الفضيحة”، وخلفت ضحايا و زهقت أرواحا أحيانا، و أمثال كثيرة تتبادر إلى الذهن، كالاغتصاب العلني لفتاة حافلات عمومية، وتعنيف جسدي لفتاة فضل المشاهدون من بعيد أن يسجلوا لها فيديو دون مساعدة، ونسيمة الحر، ذات 16 ربيعا و التي قررت انهاء حياتها بعد إطلاق سراح مغتصبها، انعدام مساواة واضح و حملات تحسيسية لم تؤت أكلها، و اختزال الكيان الأنثوي في الثامن من مارس من كل عام لم يقدمنا ولو بخطوة إلى الهدف المنشود و لا حتى تقليص من الآفة المتوغلة، رغم مرور أزيد من 3 أشهر عن تفعيل القانون، لم نلمس ولو تغييرا بسيطا في الأماكن العمومية، الشيء الذي قد يجعل البعض ومنهم أنا شخصيا بالاكتفاء بسماعات أذن قد تؤذي طبلة أذني، آملة عدم سماع شيء، لكن للأسف هناك دائما نصيب من تقيء المارة، و الحاصلين على حق غير مشروع، جعل من الأماكن العمومية حربا أخلاقية، ذهبت ضحيتها المرأة، فمتى سيسمع صدى الضحايا، وكيف ستفك العقدة الأساسية و الكامنة في أزمة القيم.

شاهد أيضاً

كيف اختفى أمازيغ موريتانيا؟

أحمد ولد جدو* رغم أن موريتانيا تنتمي إلى الفضاء المغاربي فهي تختلف عنه في بعض ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *