باحثون وفاعلون في مجال الأرشيف: المغرب يعرف ثورة في الذاكرة

أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بالرباط، عبد الحي المؤدن، أن المغرب يعرف ثورة في الذاكرة، “ترتبط ببروز هويات جديدة، تكتشف أنها لا تحضى بالاعتراف من طرف الثقافة الأصلية، أي ثقافة الدولة، وتسعى إلى أن تثبت مجموعة من الحقائق التاريخية، على رأسها تحدي التاريخ الرسمي والتشكيك في أطروحاته ومنافسته عن طريق السعي إلى كتابة تاريخها بشكل جديد، وانطلاقا من معطيات وأطروحات جديدة”.

وحاول المودن خلال عرض تأطيري لمائدة مستديرة نظمتها مؤسسة أرشيف المغرب بمناسبة اليوم العالمي للأرشيف، مساء أمس الإثنين 10 يونيو 2019، بمقرها في الرباط، حول موضوع “المجتمع المدني والأرشيف”، الإجابة عن سؤال لماذا يظهر هذا الوعي بثقافة الأرشيف بالمغرب اليوم؟

وأشار عضو هيئة الإنصاف والمصالحة سابقا، إلى أن “أن هذا المسعى، لإعادة كتابة التاريخ، يخلق حماسا لدى المناضلين المتزعمين لهذا الاتجاه والمدافعين عنه للبحث عن مصادر لكتابة التاريخ، وبالتالي الاجتهاد في التنقيب عن الأرشيفات ورد الاعتبار إليها”.

وأكد ذات المتحدث أن هذه الهويات الجديدة تتجلى في بروز ما يطلق عليه في السوسيولوجيا السياسية بالحركات الاجتماعية الجديدة، “والتي من بينها الحركات المطالبة بالحقوق اللغوية والخصوصيات المحلية، وحقوق النساء والأقليات العرقية وحقوق الإنسان، والمهمشين على مستويات متعددة بما فيها المستوى الاقتصادي”.

وقال المودن إن “الجانب المثير في هذه التحولات التي يشهدها المغرب، هي أنها ترتبط بظاهرة أعم، تشمل جل مناطق العالم، تعرف بثورة الذاكرة، أو عصر الشارع أو غيرها من التعابير التي تركز على النظر إلى التاريخ من زوايا جديدة، مقابل تراجع الأطروحات السائدة الكبرى، التي تعطي نظرة شاملة على العالم، وتفسيرات كبرى للأحداث، والتي تجمع حولها وحدات اجتماعية وسياسية كبيرة، كالأمة والوطن والدولة القومية، والطبقة”، مؤكدا أن العالم يعيش تراجعا في هذه الأطروحات الكبرى، وبروز هويات صغيرة، تسمى أيضا هويات ما تحت قومية، أو ما تحت دولتية، ولا تعبر عن انتماء طبقي واسع، كالطبقة العاملة أو البورجوازية الوطنية.

ومن جانبه، أوضح مدير مؤسسة أرشيف المغرب، السيد جامع بيضا، في مداخلة بالمناسبة، أن اختيار المؤسسة موضوع “المجتمع المدني والأرشيف”، هذه السنة، لم يكن اعتباطا، وإنما ينبثق من الدور الذي يضطلع به المجتمع المدني المتمثل في الجمعيات والتنظيمات غير الحكومية وغير الربحية، في المجتمعات الديموقراطية في شتى المجالات، مشيرا إلى تنامي هذا الدور في الفضاء العام المغربي خاصة خلال العقدين الأخيرين.

وذكر أن هذا اللقاء يفسح المجال لتبادل التجارب بين الجمعيات، التي جعلت من الاهتمام بالأرشيف والتراث قطب رحى نشاطها، منوها، في هذا الصدد، بتجربة جمعية فكيك للتراث وثقافة الواحات التي قامت بإثارة انتباه مؤسسة أرشيف المغرب إلى مجموعة كبيرة من الأرشيفات التي ترجع إلى الفترة الاستعمارية والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الإتلاف، وكذا مؤسسة دافيد مونتغومري هارد للدارسات الأمازيغية، التي سلمت لأرشيف المغرب مجموعة من الأرشيفات التي جمعها الباحث الأمريكي دافيد هارت عن مناطق مختلفة من المغرب.

وقال بيضا إن المجتمع المدني مدعو للمشاركة، إلى جانب المؤسسات العمومية، في تدبير وحفظ الأرشيف، “كما يمكن أن يكون قوة اقتراحية تغني القوانين والمؤسسات بمضامين شديدة الغنى والنجاعة في هذا المجال”، مبرزا أن التعامل مع الأرشيف يتطلب إرساء ثقافة الأرشيف من خلال الاهتمام به والنهوض به وحفظه من الإتلاف والضياع، وتسهيل الولوج إليه، وتعميم تعليمه.

وفي كلمة ألقاها بالنيابة عن وزير الثقافة والاتصال، أوضح عبد الإله عفيفي، الكاتب العام لوزارة الثقافة والاتصال، أن المجتمع المدني يضطلع بدور أساسي وهام في عملية الأرشفة والتوثيق لحفظ الذاكرة الوطنية، وذلك من خلال العمل التحسيسي الفعال الذي يمكن أن تقوم به الجمعيات بفضل قربها الاجتماعي.

وقال عفيفي، إن هيئات المجتمع المدني تساهم بخبراتها ومعارفها الميدانية في المجهود التنموي، وكذا في نشر ثقافة الأرشيف، مشيرا إلى أن الوثائق والأرشيفات تعد أساس وجود الهيئات والمؤسسات، ومرجعا وفيا لقياس تقدمها والتزامها ومسؤوليتها.

وأبرز الكاتب العام لوزارة الثقافة، أنه من الضروري اكتساب هيئات المجتمع المدني كيفية تصنيف وحفظ أرشيفها الداخلي، مضيفا أن لهذه العملية دور في حفظ كيان الهيئة المعنية للأغراض التدبيرية والعلمية وغيرها.

وذكر عفيفي، بهذا الصدد، أن الوزارة جعلت موضوع الأرشفة والتوثيق من المحاور الهامة ضمن استراتيجيتها لما له من أهمية قصوى في المسار الديمقراطي الحداثي للمملكة، مشيرا إلى ضرورة التركيز، في هذا المجال، على الاستفادة مما تتيحه التكنولوجيات الحديثة من أدوات ووسائل كفيلة بتحقيق أرشفة آمنة ومتطورة وسريعة.

ودعا الكاتب العام، في هذا الصدد، إلى التنسيق الواسع بين جميع المؤسسات المعنية، كليا أو جزئيا، بتدبير الأرشيف والوثائق، وذلك لتبادل المعارف والاستفادة من التجارب وبالتالي توحيد الرؤى والتدخلات واقتصاد الوسائل.

وأكد رئيس جمعية فيكيك للتراث وثقافة الواحات، العربي الهلالي، على أن تاريخ فيكيك موغل في القدم، مشيرا إلى أن “البحث في بدايته وتطور مراحله واستجلاء مظاهره ليس مدونا في الكتب، وإنما هو مثبت على صفائح الجبال والكدى، وفي شكل كتابات ورسوم ونقوش صخرية تعود للألفية الخامسة قبل الميلاد “إن لم يكن الزمن أبعد”، وجلها لا يزال ينتظر من يحللها ويقرؤها بإمعان وتدقيق”.

وقال الهلالي إن أول ذكر صريح لفيكيك يعود للقرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، “وجدناه عند صاحب الاستفسار وبعده رأيناه يتكرر عند ابن خلدون، في غير ما موضع، من موسوعته التاريخية، المشهورة بالعبر”، موضحا أن تاريخ منطقة فيكيك حفظته بعد ذلك مجموعة من الوثائق والمصادر التاريخية.

وأشار الهلالي إلى أن جمعيته قامت بإنقاذ حوالى طن و200 كيلوغرام من الأرشيف، وهي اليوم محفوظة بأرشيف المغرب ريثما يتم جردها وإتاحتها للعموم وتثمينها بمختلف الوسائل.

وبدوره أكد رشيد الراخا رئيس مؤسسة البحر الأبيض المتوسط “دافيد مونتغومري هارت” للدراسات الأمازيغية، قبل شروعه في تقديم عدد من الصور الأرشيفية، أن علاقة مؤسسته بدافيد هارت كبيرة جدا، لدرجة أن هذا الأخير “ترك لنا قبل وفاته حقوق الطبع والترجمة لمؤلفاته، كما وضع أكثر من نصف مكتبته العلمية تحت تصرف مؤسستنا، إضافة إلى توفيره أرشيفا ضخما من الصور للمجتمع الأمازيغي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي”.

وتحدث الراخا عن أول لقاء له بدافيد هارت والذي كان بمليلية خلال نشاط جمعوي سنة 1991، “وتوطدت علاقتنا منذ يومها الأول”، واستمرت العلاقة حتى بعد استقراره بغرناطة حيث أسس عددا من الجمعيات الأمازيغية، بينما كان يعيش دافيد هارت غير بعيد بمدينة ألميريا الإسبانية، كأقرب نقطة لمنطقة الريف -حسب الراخا- التي لطالما حلم دافيد هارت أن يستقر بها.

وأضاف الراخا “تفاجأت عند زيارتي لمنزله بموخاكار ضواحي ألميريا، بوجود أكبر مكتبة حول شمال إفريقيا والعالم الإسلامي” مضيفا “تمكنا عن طريق العلاقة مع جامعة غرناطة، ومديرية النشر بمليلية، أن نعرف بأعمال دافيد هارت باللغة الإسبانية”.

وبفضله أيضا -حسب الراخا- تمكن الإسبان من اكتشاف أعمال الأنتربولوجي الإسباني إمليو بلانكو الذي اشتغل على المجتمع الريفي خلال الحقبة الاستعمارية.

ومن جانبه أوضح عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، أن فكرة تأسيس المركز جاءت لأغراض سياسية وخدمة للذاكرة وحقوق الإنسان، وليس لأغراض علمية، مشيرا أن المركز مؤسسة سياسية – حقوقية مستقلة عن جميع السلطات الرسمية والتيارات السياسية والعقائد الدينية، “فهو متخصص في الاشتغال علي  قضايا الذاكرة  المشتركة  للمغاربة مع مكونات محيطهم الجغرافي والسياسي في أبعدها الحقوقية والسياسية والتنموية كموضوع، وبقضايا بناء الديمقراطية والسلم وحقوق الإنسان وثقافتها وبقضايا المواطنة وثقافتها كمعرفة ومجال اختصاص”.

وقال بوطيب إن المركز دأب منذ تأسيسه سنة 2006، على تنظيم عدد من الأنشطة المتعلقة بالذاكرة والأرشيف، كالمهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة الذي تحتضنه سنويا مدينة الناظور، وملتقى فاس إفران لحوار الهويات والثقافات الذي ينظم بمناسبة السنة الأمازيغية، وكذا الجائزة الدولية “ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم” التي ينظمها المركز، “كما ننظم كذلك كل شهر قراءة في كتاب بحضور مؤلفه تحت عنوان قراءات ابن خلدون”.

وفيما يتعلق بتفاعل مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم مع ما يقع من أحداث آنية في منطقة الريف، في إطار ما بات يعرف ب”حراك الريف”، أجمله ذات الناشط الحقوقي في محور بعنوان “الريف ولعنة الأرشيف”.

وبدورها أكدت صابرينا كاميلي عن مرصد الدار البيضاء للفن والبحث على ضرورة الحفاظ على المباني التاريخية، وتحويلها إلى مؤسسات ثقافية، من أجل الفن، الموسيقى، أو من أجل ألأنشطة المختلفة، بدلا من هدمها وبناء مباني جديدة مكانها.

وأضافت كاميلي خلال تقديمها لعرض حول المتحف الجماعي للدار البيضاء، أن مشروع متحف الذاكرة الجماعية للمدن يقوم على محورين أساسيين، محور الأرشفة من خلال تحديد تاريخ المدينة ومتاحفها الأثرية، ومحور الحفاظ على التراث من خلال معرفة الأبعاد المبتكرة وتحديد الشراكات الممكنة.

وأشارت كاميلي إلى خمس نقط أساسية في المشروع هي: تحديد التصور العام، شكل المتحف، مضمونه، وتحديد الطريقة المتبعة في تنظيمه، إضافة إلى المشاركة وعقد الشراكات مع مختلف المتدخلين.

ومن جهته أوضح أحمد إيدويا، عن مركز حقوق الإنسان للذاكرة والأرشيف، أن الجمعيات كباقي المؤسسات العمومية أو الخاصة تنتج مجموعة لا بأس بها من الأرشيف في إطار مزاولة المهام المنوطة بها، مشيرا أنها وفي دول عديدة تأخذ على عاتقها القيام بأنشطة لا تؤمنها الدولة، فيصبح أرشيفها الوسيلة الوحيدة لتوثيق وإعادة كتابة التاريخ المفقود للأشخاص والمؤسسات والمجتمعات التي تعيش معها.

وأضاف إدويا أن جمعيات المجتمع المدني تساهم من خلال حفظ وجعل الأرشيف متاحا، في استكمال عمل الذاكرة في إحياء ذكرى بعض الشعوب التي كانت إما من “منسيي التاريخ”، وإما من ضحايا الكوارث الطبيعية أو المدنية التي تجاهلها أرشيف المؤسسات الرسمية، لأنها كانت متحيزة في شأن تلك الشعوب، أو لأن ذاكرتها أتلفت أو غيبت، كما في حال نظام قمعي مثلا، مما يجعل الباقين على قيد الحياة عاجزين عن استذكار موتاهم من ضحاياه، ما يؤدي إلى بقاء الذاكرة جرحا مفتوحا.

وأكد إدويا أن الأرشيف يساعد أيضا في بناء الذاكرة الداخلية للجمعية، ففي الجمعيات حيث العمل مجاني، تطوعي ومهني، وحيث الأشخاص يتجددون، يخلق حفظ الأرشيف رابطا بين الأجيال، كما يسمح في الواقع بنقل التجارب بين الأجيال.

وقال إن الممارسات الأرشيفية السليمة هي مفتاح بقاء وسلامة هذه الأدلة، “كما أن مسألة حفظ وصيانة الوثائق أصبحت عملية معقدة إذا أخذنا بعين الاعتبار البيئة الإلكترونية التي أضحت طاغية”، معرجا على بعض الممارسات والقواعد التي يتعين اتباعها من أجل حفظ أرشيف جمعيات المجتمع المدني.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم التوقيع، على هامش هذه الندوة، على اتفاقيتي تعاون، حيث وقعت الأولى بين مؤسسة أرشيف المغرب وجمعية فكيك للتراث وثقافة الواحات، والثانية بين المؤسسة ذاتها ومؤسسة دافيد مونتكومري هارت للدراسات الأمازيغية، وهي على شكل هبة تشمل أرشيف دافيد مونتكومري هارت منحتها المؤسسة لأرشيف المغرب.

وكرس المجلس الدولي للأرشيف، منذ العام 2005، يوم التاسع من يونيو من كل سنة يوما عالميا للأرشيف، وذلك بهدف التعريف بأهمية الأرشيف والأرشيفيين في المجتمعات العصرية، وتثمين حرفة كثيرا ما نالها الإهمال ونظر إليها بازدراء.

وللتذكير، فإن المجلس الدولي للأرشيف كان سباقا للدعوة إلى تكريس 9 من يونيو من كل سنة “يوما عالميا للأرشيف”، وذلك خلال جمعه العام المنعقد في نونبر 2007. وقد تم الاتفاق على هذا التاريخ لكون تأسيس المجلس الدولي للأرشيف يصادف يوم 9 يونيو 1948، وذلك تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

ويهدف اليوم العالمي للأرشيف إلى توعية الجمهور بأهمية الأرشيف الذي يشكل أساس حقوقهم وهويتهم، وتوعية المسؤولين بالانعكاسات الإيجابية لحسن تدبير الأرشيف، بما في ذلك من حكامة جيدة وتنمية مستدامة، وكذا توعية الجمهور والقطاعات العمومية والخاصة بضرورة حفظ الأرشيف على المدى البعيد وتسهيل الولوج إليه، وتعزيز وتعريف الجمهور الواسع بوثائق فريدة من نوعها ورائعة ونادرة، محفوظة بمؤسسات تعنى بتدبير الأرشيف، وتحسين إدراكه ووعيه بأهمية الأرشيف، والرفع من حضوره بجعله يشمل جميع الميادين.

أمضال أمازيغ: كمال الوسطاني

شاهد أيضاً

تكريم الأستاذ العدوي الحنفي في اختتام فعاليات مهرجان الرمى

اختتمت ليلة امس السبت 17 غشت الجاري فعاليات مهرجان الرمى في دورته الثالثة ، والمنظمة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *