الهوية الأمازيغية، القومية والتوسع الإمبريالي العربي الإسلامي..

يتساءل كثير من المغاربة ويقولون كلاما من قبيل: بماذا ستنفعني الهوية الأمازيغية القومية للمغرب؟! هل ستطعمني؟! هل ستسقيني؟! هل ستأويني؟! هل ستضمن لي وظيفة مريحة وراتبا سمينا وشقة فخمة؟!

أليست الهوية الأمازيغية للمغرب مجرد كلام فارغ ومضيعة للوقت وترفا فكريا وسفسطة فارغة ونعرة عنصرية؟!

(نفس هؤلاء ستجدهم بعد بضع دقائق يحدثونك حول “العالم العربي” و”العروبة” و”المغرب العربي” و”الأخوة العربية” و”ضرورة التعريب” و”الهوية العربية الإسلامية”. والطريف هو أنهم لا يطالبون “الهوية العربية الإسلامية” أو اللغة العربية بأن تضمن لهم الأكل والشرب والوظيفة والشقة، ولا يعتبرون “الهوية العربية الإسلامية” نعرة عنصرية أو دينية! إذن هذا كيل بمكيالين.)

الجواب هو كالتالي:

أولا، من الذي قال لك أيها المغربي أن “الهوية الأمازيغية” هي وصفة سحرية لحل مشاكلك الاقتصادية الخبزية العويصة؟! أنت فقط من يتخيل ذلك، وأنت من يتخيل أن الآخرين يقولون لك ذلك.

ثانيا، لماذا لا تذهب أيها المغربي إلى السعوديين والقطريين والفلسطينيين وتسألهم عن سر تمسكهم بهويتهم العربية؟ لماذا لا تقول لهم: بماذا ستنفعكم “هويتكم العربية” و”لغتكم العربية” أيها السعوديون؟! هل ستطعمكم أو تسقيكم أو تضمن لكم الشغل؟! ألستم معتمدين على الغرب الأوروبي والأمريكي في كل مناحي حياتكم من اقتصاد وتعليم وتسليح كبقية شعوب العالم الثالث؟! لماذا لا تتخلصون أيها العرب من هذه “النعرة العربية العنصرية” وتتحولون إلى أمريكان أو فرس أو هنود أو كرد أو أمازيغ؟!

ثالثا، إذا كنت أيها المغربي تعتبر أن المغرب بلد عربي بسبب انتشار اللغتين الدارجة والعربية فيه جزئيا فعليك إذن (بنفس المنطق) أن تعتبر المغرب بلدا فرنسيا لأن اللغة الفرنسية منتشرة فيه كلغة رسمية إجبارية بإرادة الدولة المغربية، فضلا عن تهافت كثير من المغاربة على إقحام الفرنسية في كلامهم وحياتهم بشكل إرادي يبلغ أحيانا درجة مضحكة حين يحاولون أن يكونوا فرنسيين أكثر من الفرنسيين.

أما الحقيقة فهي أن اللغة لا تحدد هوية الشعب خصوصا إذا كانت لغة أجنبية الأصل والمنشإ كما هي اللغة الفرنسية التي جاءت من فرنسا وكما هي اللغة العربية التي جاءت من الحجاز وكما هي اللغة العبرية التي جاءت من إسرائيل القديمة أو بلاد يهودا Judaea القديمة.

الحقيقة هي أن المغرب ليس بلدا عربيا ولا بلدا عبريا ولا بلدا فرنسيا ولا بلدا أندلسيا بل هو بلد أمازيغي وشعب أمازيغي مثل الجزائر وتونس وليبيا. ووجود عدد من المهاجرين اليهود العبريين والعرب والأندلسيين في المغرب لا يغير من هويته الأمازيغية شيئا، مثلما أن وجود عدد من المهاجرين الحبشيين والفرس والصوماليين والهنود في الحجاز لا يغير من هويته العربية شيئا.

1) لاش كا تصلاح “الهوية المازْغية” ديال المغريب؟

الوعي بالهوية الأمازيغية للمغرب بلدا وشعبا لا يحل مشاكلك الاقتصادية والخبزية اليومية العويصة أيها المغربي مثلما أن وعي المواطن السعودي بهويته العربية لا يحل مشاكله الاقتصادية والخبزية.

فلأي شيء تصلح هذه “الهوية الأمازيغية” إذن؟

الوعي بالهوية الأمازيغية القومية متعلق بالقضايا الفوق-خبزية، أي القضايا الكبرى كالذاكرة التاريخية والاستقلال السياسي والحضاري والتفرد والتميز عن بقية الشعوب وحماية مصالح الشعب وحريته.

لو كان الأمر مجرد خبز وأكل وشرب وشقة سكنية وشوارع نظيفة فلا شك في أن أحوال المغرب ستتحسن بسرعة صاروخية إذا دخل المغرب الآن تحت الحكم الأمريكي أو تحت الحكم الياباني أو تحت الحكم البريطاني أو الألماني أو الهولندي أو الدانماركي.

ولا عجب في تهافت المغاربة خصوصا والأمازيغ عموما على الهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا وكندا، فهم يعلمون علم اليقين أن أحوالهم المادية والمعيشية ستتحسن بشكل شبه فوري بمجرد استقرارهم بتلك البلدان المتقدمة تحت حكم حكوماتها العلمانية الديمقراطية وفي مناخ الحريات فيها.

ولكن قضية الهوية الوطنية الأمازيغية القومية للمغرب هي التي تجعل الدخول تحت حكم دولة أجنبية غنية ثرية ناجحة أمرا مرفوضا من حيث المبدإ رغم منافعه الاقتصادية المؤكدة. فقضية الهوية الوطنية تقتضي الاستقلالية التامة عن الأجانب سواء كانوا متقدمين مثل ألمانيا وأمريكا أو متخلفين مثل السعودية واليمن.

لذلك فإن من يقحم المنفعة الاقتصادية في مسألة الهوية الأمازيغية القومية للمغرب أو يطالب الأمازيغية بحل مشاكله الخبزية هو يخلط بين مجالين غير قابلين للخلط.

الهوية القومية الأمازيغية متعلقة بالذاكرة الجماعية التاريخية للشعب الأمازيغي المغربي وبحريته واستقلاليته وتميزه عن بقية القوميات والشعوب مهما كانت حالته الاقتصادية والخبزية.

إذن لكي نترجم هذا إلى حالة المغرب حاليا فإن:

– الوعي بالهوية الأمازيغية هو الذي يجعلك أيها المغربي تعتبر تحرير مليلية (Mřič) وسبتة (Sebta) والجزر المغربية الـ21 التي تحتلها إسبانيا حاليا أولوية قصوى ومطلقة تكون فوق رغبة العرب في تحرير القدس وحيفا وعكّا والجولان من إسرائيل. بدون الوعي بالهوية الأمازيغية لبلده فالمغربي لا يبالي بالأراضي المغربية المحتلة لأنه يعتبر نفسه أجنبيا مهاجرا زائرا للمغرب، بل هو قد يضع أراضي “إخوته العرب” المحتلة في آسيا كالقدس وحيفا وعكا في مرتبة أعلى من أراضي المغرب الأمازيغي المحتلة من طرف إسبانيا. وهذا الظاهرة نراها بوضوح لدى كثير من المغاربة المعتنقين للقومية العربية. فالقومية العربية هي التي تجعل المغاربة يضعون مصالح فلسطين ولبنان والعراق وسوريا فوق مصالح المغرب. القومية العربية هي التي تجعل المغاربة يضعون القدس فوق مليلية Mřič. أما المغربي/الأمازيغي السوي الطبيعي الواعي بهويته الأمازيغية المغربية فهو يعتبر تحرير مليلية وسبتة وجزر المغرب من الاحتلال الإسباني وتحرير مدينة تيفاريتي Tifariti المغربية من الاحتلال البوليساري أولوية قصوى تسمو بشكل مطلق فوق تحرير أية مدينة أجنبية كالقدس أو حيفا أو عكّا أو مكة أو غزة أو الجولان أو صنعاء أو عدن أو دمشق أو حلب.

– الوعي بالهوية الأمازيغية هو الذي يجعلك ترفض تأسيس “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” من طرف البوليساريو على أرض أمازيغية مغربية. والشباب الانفصالي في مدن المغرب الجنوبية مثل العيون والداخلة ينجر وراء الدعاية الانفصالية القومية العربية لأن دماغه مسمم وملوث بالدعاية القومية العربية التي أنتجت حلم إقامة جمهورية عربية صحراوية على أرض أمازيغية مغربية. لو كان الشباب الانفصالي في الجنوب المغربي واعيا بهويته الأمازيغية وبالهوية الأمازيغية لتلك الأقاليم المغربية لما سقط في حماقة “الجمهورية العربية الصحراوية” ولما اهتم أصلا بالانفصال عن المغرب لأنه لا معنى ولا فائدة في انفصال إقليم أمازيغي عن بلد أمازيغي.

– الوعي بالهوية الأمازيغية للمغرب هو الذي يجعل المغربي يضع مصلحة المغرب فوق مصلحة السعودية وفرنسا وفلسطين وإسرائيل وفوق مصلحة العرب والفرس والشيعة والسنة.

– الوعي بالهوية الأمازيغية للمغرب هو الذي يحمي شباب المغرب من الذهاب إلى سوريا والعراق ومدن أوروبا للانفجار في سبيل الدولة الإسلامية أو في سبيل فلسطين وسوريا أو للانفجار في سبيل تحسين الموقع الاستراتيجي والتفاوضي للسعودية أمام عدوتها اللدودة إيران. هل رأيتم نتيجة القومية العربية والإسلام السياسي على المغرب والمغاربة؟ تحويل اللحم المغربي البشري إلى سلاح رخيص يتقاتل به العرب ضد الفرس ويتقاتل به السنة ضد الشيعة.

– الوعي بالهوية الأمازيغية هو الذي يحفزك على تعلم لغة أجدادك الأمازيغية، لغة المغاربة القدامى، وكتابتها والإبداع بها في العلوم والفنون والآداب والسينما لتكون لغة راقية متقدمة بجانب لغات العالم الأخرى.

أما المغربي الذي يرفض الهوية الأمازيغية للمغرب ويحاربها فهو في الحقيقة يحاول إخبار المغاربة بأنه مهاجر أجنبي أبدي يقيم بالمغرب بصفة “أجنبي” ويرفض الاندماج في هوية المغرب الأمازيغية وجاء إلى المغرب ليدافع عن هوية ومصالح شعب أجنبي عربي أو يهودي أو أندلسي أو فرنسي أو غيره.

2) الهوية الأمازيغية تضع قضايا المغرب بالنسبة للمغاربة فوق قضايا الشعوب الأجنبية:

إن المغربي الذي يردد في عام 2018 أنه عربي جاء أجداده من الحجاز وأنه يريد أن يبقى عربيا إلى الأبد في المغرب وأنه يريد تعريب المغرب وتحويله إلى بلد عربي ينتمي إلى “العالم العربي” هو شخص أجنبي عن المغرب يريد أن يبقى أجنبيا إلى الأبد ويريد أن يتصرف كعميل أو سفير لذلك الشعب الأجنبي الذي يقول أنه جاء منه. ولا يمكن أن نتوقع منه إلا مساندة مصالح الأجانب ضد مصالح المغرب وخدمة قضايا العرب متجاهلا قضايا المغرب من أراض محتلة من طرف إسبانيا وحركة انفصالية قومية عربية (البوليساريو).

وما نقوله عن ذلك “الأجنبي العربي” في المغرب نقوله عن الأندلسيين واليهود والفرنسيين والإسبان والسنغاليين المهاجرين إلى المغرب.

ولا تنفع تخريجات اختلاط الهويات (فالهويات لا تختلط وإنما الثقافات هي التي تختلط) لتمييع النقاش أو ذر الرماد في العيون.

فهوية العرب إنما مكانها الطبيعي هو بلاد العرب في آسيا.

وهوية الأندلسيين مكانها الطبيعي هو الأندلس في أوروبا.

وهوية اليهود مكانها الطبيعي هو إسرائيل في آسيا.

(وحتى الفيفا FIFA تجبر اللاعبين ذوي الجنسيات المتعددة على اختيار منتخب وطني واحد لمرة واحدة ونهائية لا رجعة فيها. ولا تسمح لهم بالجمع بين عدة منتخبات أو وضع “رجل هنا ورجل هناك”. فمسألة الهوية مطلقة لا تقبل الخلط أو التلاعب.)

وأما من يريد فرض الهوية العربية والانتماء العربي على المغرب إنما هو شخص استعماري توسعي ينفذ أجندة قومية عربية إمبريالية استعمارية هدفها توسيع حكم العرب وإمبراطورية العرب (الوهمية أو الحقيقية) على حساب أصحاب المغرب الذين هم شعب المغرب الأمازيغي.

3) نزعة التوسع الإمبريالي العربي والإسلامي وضرورة الهوية الأمازيغية لاستقلال المغرب:

إن نزعة التوسع الإمبريالي القومي العربي اليوم لا تختلف (من حيث المبدإ) عن نزعة التوسع الإمبريالي الفرنسي والإسباني والبريطاني والإيطالي والجرماني/الألماني والروماني والبيزنطي والفارسي والتركي العثماني والياباني في العقود والقرون الماضية.

فكل تلك التوسعات الإمبريالية القديمة احتلت شعوبا وفرضت عليها لغاتها اللاتينية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية والفارسية والتركية واليابانية وغيرها وفرضت عليها أديانها الإسلامية والمسيحية وغيرها.

والنزعة التوسعية الإمبريالية العربية تشتغل أحيانا ضمن أو تحت أو بجانب النزعة التوسعية الإمبريالية الإسلامية التي أنتجت داعش وتنظيم القاعدة وطالبان في العصر الحديث.

رغم الحضيض السياسي والحضاري الذي يوجد فيه العرب (في قارة آسيا) حاليا فإنه توجد لدى القوميين العرب الإمبرياليين رغبة جامحة في الدوس والدعس على الشعوب الأخرى المجاورة لهم كالفرس واليهود والكرد والسريان/الآراميين واليمنيين والأقباط والأمازيغ وفرض اللغة العربية والعروبة والحكم العربي عليهم.

ويتوسل القوميون العرب (وكذلك الإسلاميون طبعا) بكل نظريات المؤامرة الصهيوصليبوأمريكوموسادية لمحاربة أي شخص أو جماعة تريد الاعتراف بهويتها القومية الوطنية الأصلية أو ترقية وتطوير ونشر لغتها الأصلية الأمازيغية أو الكردية أو القبطية أو السريانية أو النوبية وإقرار حرية العقائد والأديان في المجتمع.

وهذه الرغبة التوسعية القومية العربية (والإسلامية) نابعة أولا من نعرة التفوق الوهمي المتأصلة لدى القوميين العرب بدافع ديني إسلامي أو قومي قبلي عشائري، وهي نابعة ثانيا من إحساس الدونية والغبن لدى كثير من العرب والمسلمين والقوميين العرب والإسلاميين الناتج من هزائم العرب والمسلمين المتوالية على يد الأمريكان والإسرائيليين والإيرانيين الشيعة وعبث القوى الأجنبية ببلدان الشرق الأدنى مثل سوريا والعراق ولبنان والسعودية واليمن، وبسبب سقوط العرب والمستعربين بدرجات متفاوتة تحت النفوذ الإيراني والأمريكي والروسي والتركي، فأصبحت مدن مثل صنعاء وبيروت ودمشق وبغداد تعتبر تحت النفوذ الإيراني مثلا.

وحتى هزيمة داعش (الدولة الإسلامية) على يد المقاتلين الكرد بدعم أمريكي وروسي يمكن تسجيلها ضمن هزائم العرب والمسلمين. وذلك لأن جزءا من العرب والمسلمين (وليس كلهم طبعا) كانوا يشجعون “فريق داعش” ضد “فريق الكفر” أو ضد “فريق الشيعة” أو ضد “فريق إيران” أو ضد “فريق روسيا” أو ضد “فريق أمريكا” أو ضد “فريق نظام الأسد”.

ومشروع داعش كان مشروعا عربيا إسلاميا 100% رغم تبرؤ جزء آخر من العرب والمسلمين منه (بسبب دموية داعش المصورة بالفيديو والتي لا تختلف أبدا عن دموية الأمويين والعباسيين والعثمانيين). فمشروع داعش هو خلافة عربية إسلامية سنية تطبق الشريعة الإسلامية ولغتها الرسمية الوحيدة هي العربية وعملتها الدينار الذهبي الإسلامي، أي نسخة طبق الأصل من الإمبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية التي يفتخر بها العرب والمسلمون ليل نهار. لذلك ساند كثير من العرب والمسلمين السنيين داعش كما رأينا على وسائل الإعلام والإنترنيت. هذا فضلا عن كون داعش تلقت أموالا وسلاحا وتسهيلات من جهات نافذة في السعودية وقطر وتركيا.

ولكن ما يتميز به التوسع الإمبريالي القومي العربي اليوم عن التوسعات الإمبريالية البريطانية والفرنسية والإسبانية والتركية والرومانية القديمة هو أن التوسع الإمبريالي القومي العربي اليوم معدوم القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية وأنه مجرد ظاهرة صوتية تحدث عبر الإعلام العربي اللغة الممول بالبترول والغاز وباستعمال الإسلام وباستعمال الدعاية والتكرار وعبر نظام التعليم.

أما التوسع الإمبريالي الإسلامي الحالي فهو أحيانا ظاهرة صوتية إعلامية فارغة، ولكنه أحيانا يتخذ أشكالا ملموسة تتمثل في فرض بعض القوانين الإسلامية وتقييد الحريات الدينية وملاحقة منتقدي الإسلام عبر العالم (أيضا في الغرب) بتهمة الإسلاموفوبيا والعنصرية. أما الشكل الأقوى للتوسع الإمبريالي الإسلامي حاليا فهو الجهاد الإسلامي المسلح المسمى بـ”الإرهاب” الذي توغل في غابات نيجيريا والكاميرون وصحارى الجزائر وليبيا وجزر الفليبين فضلا عن تدميره سوريا والعراق وأفغانستان واليمن.

وقد أثر هذا الجهاد الإسلامي الإمبريالي على نمط عيش معظم بلدان العالم من حيث اضطرار الدول على إنفاق ملايير الدولارات على الأمن والتسليح والتجسس وتأمين آلاف المطارات والمباني والمدارس. كما أن آلاف العمليات الجهادية الإرهابية القاتلة التي ينفذها دائما مسلمون باسم الإسلام ونصرةً للإسلام أو لفلسطين وسوريا تؤثر على نفسية الشعوب وسياسات الأنظمة وتجعل الخيار الأمني يحظى بالأولوية فوق قضايا حقوق الإنسان والحريات والتنمية. فأصبحت أمريكا وأوروبا لا تهتم كثيرا بتصرفات حلفائها من الأنظمة القمعية في أفريقيا وآسيا ضد المعارضين والصحفيين ما دامت تلك الأنظمة القمعية تتعاون مع الغرب لمكافحة الإرهاب الإسلامي وحماية رفاهية مواطني أوروبا وأمريكا.

4) التوسع الإمبريالي العربي والإسلامي القديم والمستمر:

يجب التنبيه إلى أن الأمازيغ قبل وبعد الإسلام كانوا أيضا توسعيين استعماريين في عهد دولهم القوية كدولة نوميديا والإمبراطورية الموحدية، حيث احتلوا واعتدوا مثلا على بلاد هيسبانيا Hispania (الأندلس) مرات عديدة (قبل وبعد الإسلام) وأذاقوا أهلها الويلات وارتكبوا فيها المذابح. ولكن ذلك التوسع الإمبريالي الأمازيغي المسلح ضد الشعوب الأخرى انتهى أمره الآن مثلما انتهى التوسع الإمبريالي الإسباني والفرنسي والبريطاني مثلا.

اليوم، لن تجد في فرنسا مواطنا واحدا يدعو إلى استعادة الجزائر إلى الحكم الفرنسي أو يعتبر الجزائر أرضا فرنسية تنتمي إلى العالم الفرنسي. ولن تجد مواطنا بريطانيا واحدا يطالب باستعادة أمريكا والهند ونيجيريا ومصر وكينيا أو يعتبرها أراضي بريطانية. ولكنك إذا ذهبت إلى سوريا أو فلسطين أو لبنان أو السعودية فستجد آلاف أو ملايين الناس هناك يؤكدون لك ويصرون على أن الجزائر مثلا أرض عربية مملوكة للعرب. فالفكر الإمبريالي العربي التوسعي لا يقتصر على طبقة المثقفين القوميين العرب بل هو متفش كالطاعون في أوساط العرب العاديين والمستعربين العاديين بسبب النزعة الإمبريالية للإعلام والتعليم العربي الذي يغرس في عامة العرب والمستعربين الأفكار التوسعية الإمبريالية العربية ونزعة الاستعلاء العربي على الشعوب الأخرى.

الإعلام العربي يغرس يوميا في العرب والمستعربين نزعة تعريب البشر والشجر والحجر مع كل نشرة أخبار وكل برنامج ديني أو دنيوي، ويغرس فيهم نزعة تمجيد الإمبراطوريات العربية الإسلامية القديمة كالأمويين والعباسيين، فيصبح اليوم المنتخب المغربي لكرة القدم منتخبا عربيا والمنتخب التونسي عربيا ومليلية Mřič عربية وأكادير Agadir عربية ومراكش Meṛṛakec عربية والدار البيضاء Anfa عربية وليبيا عربية وتونس عربية واللاعب نور الدين أمرابط عربيا. إنها طاحونة التعريب.

القوميون العرب لا زالوا إلى حد الآن في 2018 ينسبون المغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى عالمهم العربي ويحلمون بدولة عربية عظمى من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي تشمل بلدان الأمازيغ والقبط والنوبيين والسريان وكردستان وإيريتريا ودجيبوتي والصومال هويتها هي العروبة ولغتها الوحيدة هي العربية. ومن يعارض هذا المشروع الإمبريالي العربي التوسعي الاستعماري وصفوه بالصهيوني عميل الاستعمار!

أما الإسلاميون فإنهم يحلمون بإقامة إمبراطورية إسلامية عظمى من المغرب إلى إندونيسيا تشمل كل البلدان التي توجد فيها أغلبية مسلمة ليحكمها خليفة عربي من قبيلة قريش ودينها الوحيد هو الإسلام (مع عيش الذميين اليهود والنصارى “معززين مكرمين محميين” تحت سلطة الإسلام، كما يقولون، بشرط أن لا ينشروا أديانهم الكافرة لدى الناس).

والحلم النهائي الأعظم للإسلاميين هو أن يكون كوكب الأرض بأكمله تحت سلطة الإسلام والشريعة الإسلامية وأن يحكمه خليفة عربي مسلم واحد وأن تكون لغة الكوكب الرسمية هي العربية لغة القرآن.

5) يريدون منك محو هويتك الوطنية الأصلية واستبدالها بالهوية العربية والإسلامية:

في كلتا الحالتين (حالة القوميين العرب وحالة الإسلاميين) فإنه دائما يتم ترويج هوية بديلة هدفها أخذ مكان الهوية الوطنية الأصيلة.

فالقوميون العرب يريدون منك أن تتخلى عن هويتك القومية الأمازيغية وتتبنى الهوية القومية العربية وأن يتحول بلدك من بلد أمازيغي إلى بلد عربي ومن أرض أمازيغية إلى أرض عربية.

أما الإسلاميون فيريدون منك أن تتخلى عن هويتك القومية الأمازيغية وتتبنى الهوية الإسلامية وأن يتحول بلدك من بلد أمازيغي إلى بلد إسلامي ومن أرض أمازيغية إلى أرض إسلامية.

أما حين يصدر القوميون العرب والإسلاميون خطابا مشتركا أو بيانا مشتركا فإنهم يقترحون عليك أن تتخلص من هويتك الأمازيغية وتعتنق ما يسمونه “الهوية العربية الإسلامية” وهي هوية هجينة برأسين: رأس إثني عربي ورأس ديني إسلامي.

بعبارة أخرى، المشروع التوسعي العربي الإسلامي (منفصلا أو مندمجا) يريد محو الهوية الأمازيغية ومحو هويات الشعوب الأخرى غير العربية من أجل الحلول محلها وأخذ مكانها.

نتعامل هنا مع “أيديولوجية محو” هدفها المحو ثم المحو ثم المحو ثم الاستيطان والاستيلاء.

إذن فإن الوعي بالهوية الأمازيغية القومية للمغرب والاعتراف الرسمي بها ضرورة حتمية للتصدي لـ”أيديولوجية المحو” أي أيديولوجية التوسع العربي الإسلامي الإمبريالي ولتأكيد استقلال المغرب عن التبعية للأجانب العرب واليهود والفرنسيين والأمريكيين وغيرهم، ولوضع أولويات ومصالح المغرب فوق قضايا الأجانب بشكل مطلق لا يقبل المساومة ولا الخضوع.

شاهد أيضاً

تجديد الخطاب الريفي

بعد مرور ثلاث سنوات على طحن الشهيد محسن فكري وانطلاق شرارة حراك الريف، وما تداعى ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *