المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة 11)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية.

(الحلقة 11)

عندما تلج فضاء ما ، حفل او ندوة او مراسم رسمية الخ… ، تنظر إليك أعين المستقبلين والحاضرين ، ترفعك ثيابك وتاريخك اوسمعتك او رصيدك المالي او المعرفي، وتلك حقائق سوسيولوجية سنعود الى ملامسة اسبابها بعد نهاية الحرب الكونية الجارية.

كذلك تجري الأمور في السجون ومراكز الاحتجاز لكن مع اختلاف خصوصي ؛ وأهم عنصر لاكتساب شرف التقدير والاعتبار ، أن تكون من ذوي السوابق ، وبذلك فلست “بوجاديا ” ، وهو نعت يعني ” عديم التجربة ” ، رغم أن معناها مستوحى من تعريف وسلوكات les poujadistes ، وهي فئة تنتمي الى شريحة المحافظين من البورجوازية الصغيرة بفرنسا ، لا يولون اية أهمية للسياسة ولا الحياة الاجتماعية ؛ إلى درجة جهلهم لما يجري في المشهد العام والفضاء العمومي ، وبهذا المعنى التقريبي يتم تداوله داخل السجون ، وسيلاحظ المرء أن البوجادي نعت يطلق فقط على الوافدين الجدد في عالم الإعتقال ؛ وهو عابر مع مرور الأيام الأولى في السجن المدني او الأشهر والسنوات الأولى بالنسبة للسجن الفلاحي أو السجن المركزي في حالة طول مدة العقوبة .

وهنا تحضرني عبارة ” مكلخ ” أوعبارة ” التكلاخ ” والتي تعني الجهل المطبق ، ومصدرها ” كوليخة ” وهي المرحاض بلغة السجناء ، وهي مستمدة من خلال التداول و الاستعمال المتواتر لكلمتي ” كول ” اي كل من الأكل و ” إيخا ” أي ” خرا “( حاشاكم ) اي التغوط ، فالذي لا يهتم سوى بالأكل والتغوط يعتبر ” مكلخا “.

قد عاينا أكثر مما عايشنا ، خلال فترة اعتقالنا الفرق بين المرحلتين فيما يخص الاستقبال والتعامل ، فإذا إذا كنت معتقلا لأسباب سياسية أو كانت تهمتك ذات صلة بجرائم الأموال ، فحظك ان يمارس في حقك التمييز الإيجابي ، لذلك فكيفية استقبال المساجين الوافدين على السجن لأول مرة ، تكون حاسمة بالنسبة لكل داخل صاحب دهشة ؛ لذلك من الأمور التي كنا نعتز بها كوننا ” مشدودين على السياسة ” ، رغم أن ظروف الاستقبال قد تكون صعبة ومهينة ، فقد تعطى التعليمات للمعاملة بقسوة او اللين . وهنا تلعب شخصية مدير السجن وكذا ” الحراس ” دورها الحاسم والظرفية والسياق السياسيين . وبالنسبة لسجناء الحق العام فحسب الفئة العمرية والبنية الجسدية و” حسن وجمال ” المعتقل يكون الاستقبال ، خاصة بالنسبة للذين لا يملكون ” قوت يومهم ” أو” دخانهم ” لأن من يملك السجائر داخل السجن فهو صاحب حظوة ، خاصة النوع الأشقر .

فإما أن ” تملك الأشقر او تكون أشقر ” وإلا ألبسوك ” الفوقية ” وتناوبوا عليك أو تاجروا بك لعدة أيام ، طبعا هذا ليس حالة عامة ، ولكن الخطير أن المحاولات تكثر كلما ضعفت المقاومة ، بل إن كثيرا من الحكايات التي وصلتنا من مصادر موثوقة تؤكد أن هناك من المحكومين بعقوبات سجنية طويلة الأمد ” يحتكرون مصاحبة ” بعضهم ” كما معاشرة الأزواج ، وتحضرني قصة أحدهم قتل نزيلا اكتشف أنه ” ينافسه ” على ” عشيره ” .

لقد حاولت أن أركز على هذه الحالات الشاذة ، والتي لا اعتقد انها لا زالت قائمة ، بعد تأهيل بنيات السجن ( بفتح السين ) . وبالنسبة لنا كمعتقلين سياسيين فقيمتك ترتفع لدى السجناء كلما كنت إنسانيا واجتماعيا ومتواضعا ومنفتحا وبشوشا وملما بما يجري ، من اجل اثباث الذات او ” فرض الوجود ” ولتنال تقدير وعناية الجميع . فالمعتقل السياسي ينبغي ان يكون نظيف المظهر ، و قدوة في الصمود و في الأخلاق ونصوحا ومعلما ( محاربا للأمية وبعض التكلاخ ههه) ومساعدا ، ومن اجمل اللوحات أن يراك السجناء حاملا ، بصفة يومية ، لكتاب او مجلة او بصدد التدوين او الرسم ، فأنت في نظرهم مثقف ، وهذا يكفي لتكون في نظرهم ” ديموقراطيا “( لا سامح الله حسب تعبير الفلاح في ملف البداية لصلاح ابوسيف ) .

أما إذا كنت مطربا او حافظا للأغاني وتحسن رواية القصص وحكي التاريخ ولعب الورق بمختلف انواعه ، او الشطرنج فأنت مرجع ومؤنس ، تستحق أن تنعم بنياشين الرضا والتميز في ” حياة بيضانسي ” . وهي حياة مختلفة تماما عن حياة ربجنسي ، وهذا يستحق منا أن نفرد له مقالة خاصة .

شاهد أيضاً

صديقي جمال..العنوان مهما كان جيدا ومهما كان تمويها لن ينقذ أبدا عملا سيئا

صديقي جمال، صدقني، كنت قد أقفلت باب نقاشٍ محصورٍ في عنوان الفيلم وظل يدور في ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *