أخبار عاجلة

المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة السابعة)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية.

(الحلقة السابعة)

لقد تربينا، حزبيا، أن نناضل جماعيا كتعبير فكري وسياسي واجتماعي اساسا عن التنظيم الذي ننتمي إليه، وكنا نعتز ونفتخر بكون القيادي فلان الفلاني قد زارنا واقتسم معنا الأمل الذي ينتابه وهو يخوض مهمة تغيير الاوضاع وبناء مجتمع بديل، كنا نشعر ، بعد كل محاضرة، أن التغيير ممكن جدا ، بل هو حاصل بعد ايام أو شهور ، هذا الوعي الجنيني، او الحس الثقافي يدفعنا إلى الإيمان بقوة الوحدة التنظيمية ط، وكان أغلبنا يمقت الحلقية ، دفاعا عن قانون ” وحدة وصراع الأضداد.

كان يروقنا ان ندعى ب ” التقدميين ” ، قبل أن تفرض علينا بعض الخيارات ، أن نخوض معارك صناعة البديل ، ومنذ حصل الانشقاق داخل حزبنا ، وما رافقه من اعتقالات في الصفوف ، سقطت عبارة التقدمية من القاموس السياسي ، واستبدلت بالديموقراطية ، ليس بمحتوى استراتيحيا النضال الديموقراطي ، ولكن بالمعنى الذي يختزل في ” الكفاح الانتخابي ” ، ولم نعد نسمع سوى بالتمييز بين الاصلاحيين مقابل اليسار الجديد ؛ وانتعشت ثقافة الوصم والتخوين ، واليسار نفسه لم يعد مؤسسات جماعية ، بل مبادرات فردية في صيغة نرجسيات جماعية.

طبعا الاستثناء لا حكم له ، ولكن صارت الفوهات توجه الى الحلفاء والذات ؛ وبعضهم صار يصنف اليسار عن اليمين ، ويعتبر نفسه مالكا لليسار ومفاتيحه ويصم من هم أقل انفعالا وراديكالية ، فهم فوق الطبقات والشبهات ، ويوزعون صكوك التميز والطهرانية ، في حين عليهم أن يعتدلوا ويتواضعوا ويتأملوا الواقع ويستقرؤوا التاريخ ، ونحن في مرحلة إجماع وطني من أجل صون حياة الوطن، لم يجرؤ البعض على تمثل الحاجة الى دولة قوية ، تتحمل مسؤوليتها التاريخية لضمان انتقال سليم إلى وضع أسلم للصحة العمومية الوطنية ، إجماع متفرد يؤجل الصدام دون إلغاء توابث الصراع ، في مواجهة وباء فتاك ، عدو للغرب والشرق ، وكذا للشمال والجنوب ، و على كل واحد منا أن يتساءل مع نفسه.. من أنا و بما سوف أفيد به وطني ، ماذا أملك من إمكانيات بشرية وفكرية ، عدا ذاكرة غير محينة وعياء سياسي وضياع بوصلة !

هذا وضعنا نقر به ، ونتحمل كامل المسؤولية في التقييم والتقويم ، متضامنين في الخسارة دون الربح المفترض ، فهل سنظل نعاني الوهن ، في ظل دعم مطلق للأصولية من قبل الأصولية؛
وهل يعقل أن نحتكم الى القوة في زمن صار كل من احتل فيه الفضاء العمومي للحظات معينة يعتبر نفسه القوي في المشهد السياسي ،بمن فيهم الدولة نفسها ومنافسيها في الشرعية الدينية ؟
فعلا قوى اليسار ضعيفة نسبة الى القوة العددية للتيارات المحافظة ، ولكن على مستوى خدمة الوطن الحقيقية فتراكم العطاء والتضحية والبناء يرجح كفة ذوي الخبرة التاريخية سواء في المعارضة أو السلطة ،ولم تفلح الدولة لحد الآن رغم قوتها و عنفها أن تخلق لها قاعدة اجتماعية تعزز استقرارها المزعوم ،لتظل الاستمرارية في يد من يؤطر المجتمع بوسائل قانونية حقوقية غير الايديولوجيا .

من هنا تبقى الدمقراطية هي الشرعية الوحيدة الضامنة للمواطنة والتنمية والعدالة والمساواة ،دمقراطية محددة معالمها ودعامتها ضمن مشروع مجتمعي يستند الى قوة العقل وليس الى “عقل” القوة . من هنا يقتضي السياق أن نتساءل ، لأن المناسبة شرط :
هل يكفي الإحتفاء بوقائع 23 مارس دون تمثل مغزاها الثوري ؟

هل يمكن لواقع التشردم أن ينتج لنا شروط استكمال مقتضيات الثورة الوطنية والديموقراطية ، أم أن الهاجس المتحكم في مسارنا لا يتجاوز عتبة معركة التوحيد وتجريب التكتلات والجبهات لاستعراض مظاهر الكينونة والاستمرارية ، والتي حولت مطالب الوحدة الى نزعة ايديولوجية بغاية التوحيد القسري.

والحال أن العبرة بالوحدة النضالية تجاه الوحدة التنظيمية ؟ ألا نحتاج إلى تجديد الفكر والمرجعيات ، من أجل بلورة مشروع إعادة التأسيس بدماء جديدة ونفس ديموقراطي ، بالتشبيب الكيفي للصفوة الفكرية ، في إطار المجايلة الإيجابية والتواصل التاريخي ، وفق خط عام مرحلي تقود فيه الثقافة الحداثية التقدمية الفعل السياسي ، وتوجهه نحو اتمام شرط القطيعة مع الماضي ، بعيدا عن أي تماهي بين مطلب التغيير ومهام الفعل الحقوقي بسقف ليبرالي ، مما يؤهل الى خوض الثورة الثقافية الذاتية ، للتقييم والتقويم ، تطهر الذوات من شوائب مظاهر المحافظة والأصولية والوصاية والالحاقية أو الذيلية ، عوض الاصطفاف الموضوعي هنا وهناك ؟

شاهد أيضاً

الهوية المغربية والخطايا الأصلية

“يمكن أن يكون الشعور بالهوية مصدرا، ليس فقط للفخر والبهجة، بل أيضا للقوة والثقة. إلا ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *