المنوزي يكتب: يوميات الحبس الاختياري (الحلقة الخامسة)

اختار الأستاذ والمحامي، مصطفى المنوزي وهو من عائلة معروفة بمنطقة تافراوت، عائلة مقاومة للاستعمار الفرنسي ومناضلة في سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، أن يكتب يوميات “الحبس الاختياري”.

مؤسس “المنتدي المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”رئيس “المركز المغربي للديموقراطية والأمن” وأمين عام شبكة “أمان لتأهيل ضحايا التعذيب والدفاع عن حقوق الإنسان”، ورئيس “أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي” وعدد من التنظيمات الحقوقية والجمعوية، اختار أن يتعامل مع حالة “الطوارئ الصحية” التي أعلنت بالمغرب لمواجهة تفشي وباء فيروس “كورونا” المستجد، بتدوين يومياته في “الحجر الصحي” على شكل حلقات متتالية.

(الحلقة الخامسة)

أحد الرفاق الغيورين على علاقتنا الموضوعية وجه إلي ملاحظة جديرة بالعناية ، لخصها في عبارة ” لمن تقرا زابورك يا داوود ! ” . فعلا وبالنظر إلى ظاهرة العزوف عن القراءة وهيمنة الصورة مع ما رافق ذلك من تواكل الناس وايمانهم بالجاهز فقط واستهلاكه سريعا ، دون بذل أي مجهود يذكر ؛ قلت له بأن الواقع لا يرتفع ، بنفس المنطق أجيبك بأن أغلب أصدقائي وكافة المحيط الذي هيكلنا فيه ثقة متبادلة ، نتعاون ونتبادل المعطيات ، وكذا خلاصات القراءات والتحاليل حتى ؛ فلا يعقل أن يحيط كل واحد منا بجميع ما يحصل في المدينة والبلد ثم العالم ، رغم أكذوبة ” العالم قرية صغيرة “.

وبغض النظر عن حاجة ” السوق الإعلامي ” الى تتبع انعكاس الوقائع لدى الرأي العام ، وحاجة العقل الأمني للدولة الى استجماع المعطيات التشخيصية من أجل استنتاج المؤشرات والإشارات ؛ فإن الذاكرة الوطنية تراكم لفائدة مؤسسة المؤرخ ولفائدة التاريخ القاضي ، فالوطن عدالة الإنسان انصافا واعترافا، وضميره يسائل الجميع ، وليس المرجع سوى ما انجزه كل واحد منا ، لذلك نكتب ، ندون أفكارنا لأنها انعكاس لقناعتنا وسلوكاتنا ، وتوثيقها تأريخ ، وخروج من مرحلة ما قبل التاريخ.

من هنا نكتب لنخزن فعلنا اليومي ونقيم تراكم حسنا الإنساني الفردي ، والذي يتراكم ويصب في بحر وعينا الاجتماعي وعقلنا الجمعي . يبدو أحيانا أننا نكتب لأنفسنا ، والحال أننا نكتب عن انفسنا ليتعرف علينا محيطنا ، ويزداد منسوب الثقة في قدرتنا وارادتنا وتصوراتنا ، ودون الثقة يصعب بناء المصداقية في الأفق الذي نشيده جماعيا ضدا على أنانياتنا ، طبعا تأسيسا وانطلاقا من حد أدنى مشترك ، تتقاطع فيه أحلام وطموحات كل واحد منا ، فنوزع فيما بيننا حظوظ تحقيقها بالتواصل والحوار ، ويستحيل محاورة الجميع لتحقيق هذه الغايات النبيلة دون كلمات وعبارات تواصلية ، إما ملقاة أو مغناة أو مكتوبة ؛ وانا اخترت الأخيرة ، لأن الكتابة ولادة وكل من يقرأ لي يعيد الكتابة من جديد ، فلولا الكتابة لما كانت القراءة ، ولو الكتابة لما كان التاريخ ، فلنقرأ بعضنا البعض لكي نعيد صياغة بعضنا البعض عبر الكتابة التوليدية.

ولكي نختبر قدرتنا على التجاوب مع صدى حروفنا ، أدعوكم إلى تمثل حكمة مأثورة تفيد بأن نقرأ أكثر مما نكتب لنكتب أحسن مما نقرأ ، دون أن ننسى أن الكتابة محتوى كما اللغة فكر ، ولا يعقل تصور تراكمات نوعية دون تراكمات كمية .

شاهد أيضاً

بعض معالم عالم مابعد كورونا

1- نهاية عولمة متوحشة وانتصار أممية جديدة عمادها الثورة الرقمية حيث العمل و الدراسة و ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *