المعتقل السياسي محمد جلول يكتب: الاعتراف بالواقع ومواجهته هو بداية سبيل التقدم

المعتقل السياسي محمد جلول

إن محاولة الهروب إلى الماضي أو الاختباء وراء قناع التقدم الزائف ليس سوى تحايلا على الذات ولا يغير شيء من واقع التخلف والانحطاط.

-أي تقدم هذا الذي يجعل المرء مجرد ذيل للآخرين فاقدا لأية هوية وشخصية؟

أمام مستويات التقدم العلمي والصناعي والتكنولوجي…وفي مختلف المجالات التي بلغتها المجتمعات الصناعية،والذي يجعلنا نرثي لاحوالنا وننظر إلى ما يتغنى به المسؤولون عندنا من إنجازات بعين السخرية، وفي ظل الشعور بالعجز وعدم امتلاك الحيلة لتجاوز هذا الوضع أمام واقع سياسي يتم فيه إقصاء المواطن من امكانية المشاركة الفعلية في رسم وتقرير السياسات العامة التي من شأنها ان تساهم في الاقلاع والنهضة من اجل افق يحقق فيه مجتمعنا مكانته بين باقي الامم الاخرى، هذا في الوقت يتابع فيه بعين بصيرة و يد قصيرة السياسات العبثية، والفشل والاخفاقات المتكررة لمشاريع الاصلاح والتنمية الموعودة وما يبدد حولها من جهد ووقت ثمينين بلا حسيب ولا رقيب ولا من يتحمل المسؤولية.

في ظل هذا الوضع فإن كثيرا من السلوكات والمظاهر والمواقف السائدة في المجتمع لا تعمل سوى على تكريس هذا الواقع وتعكس في حقيقتها حالة نفسية عامة مهزوزة نابعة من الشعور بالنقص والدونية اتجاه المجتمعات المتفوقة صناعيا، وفي نفس الآن نابعة من العجز لخوض غمار التحدي لبلوغ مستويات هذه المجتمعات او الاقتراب منها على الأقل.

-بشكل عام تتخذ هذه السلوكيات والمظاهر والمواقف السلبية اتجاهين متعاكسين،ولكنهما في الحقيقة هي ناتجة كما قلنا من الشعور بالنقص والعجز، هناك اتجاه يشد نحو الماضي والسلف، ويرفض كل جديد وكل ما هو حداثي،يكتفي بتمجيد الماضي ويحن اليه، او يريد إسقاط هذا الماضي المتخيل على الحاضر،واتجاه آخر معاكس تماما للأول يتنكر لكل ما يتم بصلة إلى الخصوصية والتراث المحليين، ويسعى بكل الوسائل وبأي ثمن الى تقمص شخصية “الإنسان المتقدم”الذي ينظر إليه كمثل اعلى، ويعتقد أن كل ما يميز شخصية هذا الإنسان ثقافته ولغته ونمط عيشه…الخ هي قوام التقدم ويكفي تقمصها واكتسائها لاكتساب صفة المتقدم.

إن ما يغيب عن وعي أصحاب الاتجاه الأول هو ان الماضي عصر قد انقضى وزمن قد ولى، ولا يمكن الاختباء فيه، وكل محاولة من هذا القبيل ليس سوى هروبا يائسا من الواقع ومحاولة التنكر له،وتعبيرا عن العجز عن مواجهته كما هو حقيقة ماثلة امام عينيه.

انه لا يفعل سوى كما تفعل النعامة حينما تكون امام خطر داهم، حيث تدس رأسها في التراب معتقدة انها بذلك قد اختبأت وتجنبت الخطر الواقع.
-كما انه من يرفض كل ماهو جديد وكل ما هو حداثي ويدعوا الى التمسك بالسلف والتقليد والرجوع إلى الماضي لاستنساخ تجربة الأجداد بتفاصيلها و إسقاطها على الواقع المعاصر، هو كمن يدعو إلى التمسك بالطريقة البدائية الأولى لإشعال النار التي اكتشفها اسلافنا،وعدم استعمال الوسائل التي طورها الإنسان والمتاحة للجميع، فهو لا يفهم ان هناك تقاليد وأعراف تجاوزها العصر،وأن الأبناء اذا لم يستطيعوا أن يضيفوا شيء جديدا عما ابدعه الآباء والأجداد فإن هؤلاء قد فشلوا في تربيتهم ،او ان الأبناء قد خذلوا آباءهم وأجدادهم.

أما ما يغيب عن وعي الاتجاه الثاني فأن التنكر لكل ما يمت بصلة إلى الذاة والخصوصية والتراث والسعي إلى تقمص شخصية الآخر، يعني فقدان الهوية التي تميز الأنا عن الآخر، يعني التبعية و الذوبان في الآخر،يعني فقدان أي سمة لشخصية وكيان مستقل، يعني رؤية العالم من خلال عيون الاخرين،إنها قمة الذل والمهانة عندما يسترخص المرء نفسه ويتنكر لاصله وهويته وتراثه لحساب التبعية للآخرين.

كما ان ما يغيب عند الكثيرين من أبناء مجتمعنا، أن هذه الشخصية التي هم منبهرون بها ويسعون بكل السوائل وبكل ثمن الى اكتسائها، ليست سوى شخصية إعلامية اشهارية او لا توجد إلا في المسلسلات والافلام السينمائية، ولا تعكس حقيقة المجتمعات المتقدمة صناعيا،واسسها الثقافية والفكرية، والقيم والمبادئ التي توجه تفكيرها، وكذا لا تبرز التاريخ والتجارب والمخاضات التي عاشتها، ولا المراحل التي مرت منها، ولا تبرز الواقع اليومي لافرادها،كيف يعيشون حياتهم، وكيف يخططون لمستقبلهم، وكم هو معدل مجموع الكتب التي يتم قراءتها سنويا…الخ كما لا تكشف كذلك عن علل هذه المجتمعات وجوانب معاناتها وانحرافاتها السلبية، والقيم التي تتحسر على فقدانها…الخ.

ولذلك فهؤلاء لا يرون سوى صورة سطحية لهذه المجتمعات تتمثل في حياة الرفاهية والاستهلاك والموضة والحياة السهلة والبحث عن المتعة والذلة …حيث غدة هذه القيم تدغدغ أحلام شبابنا وتغذي لديهم ثقافة الاستهلاك والتبذير والترف على حساب ثقافة الإنتاج والاقتصاد،وثقافة الكسل بدل ثقافة الاجتهاد والكفاح وطلب العلم…الخ وثقافة التبعية بدل ثقافة الاعتزاز بالذات والخصوصية.

-ان إنكار الواقع (الحقيقة)سواء بمحاولة الاختباء في الماضي او بمحاولة التستر بمظاهر التقدم الزائفة ليس سوى مساهمة في تكريس واقع التخلف والانحطاط،وليس سوى تحايلا على اللذات والعيش على الأوهام التي لا تغير شيء من فداحة الواقع إلا اذا كان ذلك في الاتجاه الأسوأ.

-ان المرء عليه ان يستيقظ من سباته واوهامه وبان يعترف بواقعه كما هو،وأن يدرك أن هذا الواقع لن يتغير نحو الاحسن إلا عبر الاجتهاد في العلم والعمل والتخطيط والمثابرة والكفاح والنضال وتقديم التضحيات… ومن دون ذلك فإنه ليس فقط سيكون محكوما عليه بان لا يراوح مكانه،بل سيكون محكوما عليه بالزوال والفناء، وأنه اذا كانت من عودة إلى الماضي والسلف فيجب أن يكون عودة إلى المبادئ والقيم السامية التي بها صنع الأجداد البطولات والامجاد، وليس العودة إلى ذلك العصر وأحواله وتفاصيله، كما انه اذا اردنا ان نستفيد من المجتمعات المتقدمة صناعيا، فيجب أن نستفيد من تجاربها وأسباب تفوقها وليس الاكتفاء بتقليد المظاهر السطحية للتقدم او الوقوع في التبعية والذوبان في الآخر، فأي تقديم هذا الذي يجعل المرء مجرد ذيل للآخرين فاقدا لأية هوية وشخصية مستقلة؟!!!

شاهد أيضاً

تكريم الأستاذ العدوي الحنفي في اختتام فعاليات مهرجان الرمى

اختتمت ليلة امس السبت 17 غشت الجاري فعاليات مهرجان الرمى في دورته الثالثة ، والمنظمة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *