أخبار عاجلة

الحل المسكوت عنه بشمال إفريقيا

بقلم: فريد العتيقي*

صديقي القارئ، ان الإنسان يأنس دائما لما يهواه، لهذا يعاني ﻣﻦ ﻟﺒﺲ ﻭﻏﻤﻮﺽ ﻭﺗﺮﺩﺩ ﺣﻮﻝ ﺃﻱ حل لمشكلة أو أزمة ما، إذا ﻣﺎ ﺗﻢ ﺗﻘﺪيمه ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﺸﺒﻮﻫﺔ أﻭ ﻣﺸﺘﺘﺔ أﻭ ﻣﺰﻳﻔﺔ أﻭ ﻣﺤﺮﻣﺔ، ﻭيعطي لنا ﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺫﻫﻨﻴﺔ عاطفية ﺗﺘﺠﻨﺐ ذلك الحل ،وبه يكون هذا الأخير مسكوت عنه، ومثل هذه الحلول يتم التحفز ﻟﻌﺪﺍﺀها ومحاربتها، ﻭﻻ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺍﻷﻣﺮ ﻋﻨﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪ، ﺑﻞ ﻳﺘﻢ ﻣﺤﺎﺭﺑﺔ ﻭﺍﻗﺼﺎﺀ ﻭﺗﺪﻣﻴﺮ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﺤﻤﻞ أو ﻳﺆﻣﻦ بها بإعتقاله أو اغتياله…

وفي تاريخ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ -وأعني هنا مجتمعات شمال افريقيا أو مايسمى بتمازغا- ﻟﻢ ﻳﻌﺎﻧﻲ أي حل أو فكرة ما أكثر ما ﻋﺎﻧﺖ منه ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ كآلية فكرية، سياسية، وسوسيوثقافية، حيث حملنا عداءا تاريخيا لها، ﻭمستمر إلى يومنا هذا، وبالرغم من هذا اللبس ﻭالغموض الذي يعاني منه هذا الحل صديقي القارئ ،إلا أنه أصبح ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻻﻧﻘﺎﺫ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﻭﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﻣﻦ “المستبد” ﻭالإستبداد ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﻒ ﻛﻤﺎ ﺍﻧﻘﺬ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﻰ ﺳﺒﻘﺘﻨﺎ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻴﺶ ﺑﻨﻔﺲ ﺗﺨﻠﻔﻨﺎ ﻭﺃﺯﻣﺎﺗﻨﺎ. وقد ظهرت العلمانية  كحل في أدبيات فكر بعض المثقفين والحركات السياسية بمجتمعاتنا من جديد، بعد ان كانت أهم مايميز الحياة السوسيوثقافية للإنسان بشمال افريقيا تاريخيا، إلا أن ظهورها من جديد ارتبط بفترة  عرفت نوعا من التسريب الثقافي العقلاني نسبيا ﺗﺒﻨﺎﻩ بعض المفكرين، وقد ﺍﺗﺨﺬﺕ الأنظمة العسكرية والمخزنية الحاكمة  ﺑﻌﺪ الإستقلال الشكلي ﻣﻮﻗﻔﺎ ﻣﺘﻼﻋﺒﺎ منها، خوفا ﻣﻦ ﺗﺪﺍﻭﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﺣﻜﻢ ﺍﻟﺸﻌﺐ ،وفي المقابل تعزيز للحكم الوراثي والملكي..، ﻓﻘﺪﻣﺖ ﻧﻔﺴﻬﺎ للناس كدول الحق والقانون، وأنها ﻣﻊ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭأن ﻧﻈﺎﻡ ﺣﻜﻤﻬﻢ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﻣﺪﻧﻲ يضمن التعايش والتضامن، غير ﺃﻥ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ صديقي ﻟﻢ ﻳﺸﻬﺪ ﺳﻮﻯ استمرار للإستبداد ﻭالإقصاء والتهميش والوصاية على أفراد مغلوب على امرهم، ﻭلهذا، ﻟﻢ تقف التيارات الإسلامية وإلى جانبها رجال الدين ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﺼﺎﻣﺖ اتجاه العلمانية، ﺑﻞ ﻛﺎﻥ لهم موقف يمكن تسميته ب “ﺍﻟﻄﺎﻣﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ” ﺍﻟﺘﻰ ﻧﺠﻨﻲ ﺛﻤﺎﺭﻫﺎ القومية  إلى هذه الساعة، كما أن الفقهاء واجه مفهوم ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ دينية ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﻜﻔﻴﺮﻫﺎ ﻭﺯﻧﺪﻗﺘﻬﺎ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻧﻬﺎ ﻧﻤﻂ غربي ﺟﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ، ﻭﺑﺄﻧﻬﺎ ﺗﻔﺮﺽ شروطا تتعارض ﻣﻊ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ الإسلامية، ﻭﻟﻢ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻳﻀﺎ ﻋﻨﺪ هؤلاء، بل وصل ﻋﺪﺍﺀ للعلمانية بعض التيارات الماركسية بمحاولتها افراغها من محتواها الحقيقي وعزلها عن آلياتها وشروطها كما فعل لينين وستالين في عهدهما، ﻟﻴﺲ ﻟﻠﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﻔﻜﺮ ﺑﺮﺃﻱ ﺁﺧﺮ ﺃﻭ ﻳﻨﺎﺩﻱ ﺑﺎﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﻣﻊ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ، كما ﻋﺎﻧﺖ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻳﻀﺎ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ (المثقفين) بمجتمعاتنا حيث ﻧﻈﺮﻭﺍ إليها ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻗﻮﺓ ﻣﺴﺘﻌﻤﺮﺓ ﻃﺎﻣﻌﺔ ﻻ ﻳﺆﻣﻦ ﺟﺎﻧﺒﻬﺎ ﻭﻻ ﻳﺮﺟﻰ ﻣﻨﻬﺎ ﺧﻴﺮ ،وما يرويج له رئيس المرصد المغربي لمحاربة التطبيع “أحمد ويحمان” من اشاعات ومغالطات خير دليل، ﻭﻫﺆﻻﺀ ﻣﻤﻦ ساهموا ﻓﻲ ﺗﺸﺘﻴﺖ ﺍﻟﻮﻋﻲ  ﻭﺿﻴﺎﻉ ﺑﻮﺻﻠﺔ القاعدة المجتمعية ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻻﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﺆﺍﻝ الساعة ”ما الحل؟؟”

ارتبط ﻗﺪﻭﻡ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ، ﻛﻮﺍﻗﻊ ﺛﻘﺎﻓﻲ من جديد في بعض مجتمعاتنا بهامش ﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ، حيث ركز ﺍﻟﺠﺪﻝ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﺣﻮﻝ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﻛﺎﻟﺘﻲ عرفتها ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ، ﻭﻫﻞ ﻟﻠﺪﻳﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺘﺨﻠﻒ ﺍﻭ ترسيخ الديمقراطية؟، ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﻤﻀﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﻰ ﺍﺗﺨﺬﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻣﻨﻄﻠﻖ ﻟﻠﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻠﺘﻔﻜﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻭ مقاربتها ﻣﻊ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ السائدة محليا ،والثقافة العميقة للمجتمعات، فكانت أول  الأحكام اعتبار ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﻏﺮﺑﻴﺔ ﻭﺃﻥ ﺁﻟﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻣﺤﺮﻣﺔ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻟﻢ ﺗﺨﺮﺝ ﻣﻦ الدين ﻭﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، وهنا لابد من الرجوع ﻗﻠﻴﻼ إلى ﺍﻟﻮﺭﺍﺀ، إلى مجتمعات أوروبا ﺣﻴﺚ ﻧﺸﺄﺕ وظهرت ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ بمعناها المعاصر كمفهوم جزئي ضمن جهاز مفاهيمي كبير، ﺣﺘﻰ نفهم ونستوعب ﻧﺤﻦ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ  ﻛﻴﻔﻴﺔ ﻧﺸﻮﺀ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﻟﻤﺎﺫﺍ ﻧﺸﺄﺕ، ﻭﻣﻦ ﺃﻱ واقع ﺍﻧﻄﻠﻘﺖ؟

بالرغم من أن الحضارة بشمال افريقيا ﺑﻤﺎ ﺗﻤﻠﻜﻪ ﻣﻦ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﻗﺒﻞ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻭﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﺪﺩﻳﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻣﻊ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﺪﻳﺎﻧﺎﺕ، إلا اني سأقتصر حديثي عن العلمانية كمصطلح جديد وليس كممارسة عرفتها مجتمعاتنا تاريخيا، لهذا فظهور ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ كمصطلح ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﺍﺭﺗﺒﻄ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮﻳﻦ ﻭﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ  التنويرين إليها هناك، خصوصا ﻓﻲ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ من أجل ﺗﺤﺮﻳﺮ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻮﺩ ﺍﻟﺘﻲ فرضها الدين انطلاقا من مؤسساته، ومنه ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺒﺮﺭﺍﺕ سوسيولوجية ﻭﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻟﺜﻮﺭﺓ ﺭﻭﺍﺩ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ، ﺛﻮﺭﺓ ﺍﺳﺘﻬﺪﻓﺖ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺗﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ولهذا في نظري لا يمكن لنا انكار دور المسيحية في ﻧﺸﺄﺓ ﻭﻧﺠﺎﺡ ﺍﻟﻌﻠﻤﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻷﻧﻬﺎ ﻗﺪﻣﺖ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ الواضح ﻟﻠﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ،كما يلي: ﻣﺎﻟﻠﻪ ﻟﻠﻪ ﻭﻣﺎ ﻟﻘﻴﺼﺮ ﻟﻘﻴﺼﺮ، ﻛﻤﺎ  ﻗﺪﻣﻪ المفكر المصري ﺍﻷﺯﻫﺮﻱ ﺳﻌﺪ ﺯﻏﻠﻮﻝ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﺘﻪ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮﺓ ﺃﻳﻀﺎً : “ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﻮﻃﻦ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ ”، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻇﻬﻮﺭ فكرة ﻓﺼﻞ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، ﻭﻳﻀﺎﻑ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﻮﺟﻮﺩ فئة ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ‏(رجال الدين‏) ﻣﻤﻦ ﻳﺪﻋﻮﻥ ﺗﻤﺜﻴﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ، ﻭﻳﺤﺘﻜﺮﻭﻥ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻛﻠﻤﺎﺗﻪ، ﻭﻳﺴﺘﻐﻠﻮﻥ ﻧﻔﻮﺫﻫﻢ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﺘﺠﺮﻳﺪ ما ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻣﻦ الحقوق ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ والكونية، إذ وصل بهم الأمر إلى بيع صكوك الغفران للناس، وهذا تماما ﻣﺎ ﻧﺘﻌﺎﻳﺶ ﻣﻌﻪ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ اليوم، فقط بشكل آخر من خلال هيمنة الإسلام السياسي في ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ، ﺍﻟﺪﺳﺎﺗﻴﺮ، أحزاب، ﻫﻴﻤﻨﺔ فئة ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺻﺎﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭالفرد.. ﻭﺑﻌﺪ أﻥ تم تعرية وكشف ﻋﺮﻭﺓ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ،ظهرت ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ من جديد في مجتمعاتنا كحل للنجاة من ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ ﻭﺍﻟﻮﺻﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﻳﻤﺜﻠﻬﺎ  تسيس الدين ﺿﺪ ﺍﻻﻧﺴﺎﻥ ،وفي المقابل ترسيخ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﻭﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ  ﻭﺑﺎﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ والجماعية.

وما يمكن ملاحظته صديقي القارئ أن الحلول التنويرية بعد تجاوزها للوصاية والقومية والإستبداد، هي ﺍﻷﺩﺍﺓ ﺍﻟﺘﻰ ﻗﺪﻣﺖ لنا ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ،ﻭﺍﻟﺮﻓﺎﻩ للمجتمعات، وجعلت هذه الأخيرة ﻣﺘﻘﺪﻣﺔ على أساس ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻭالقيم الكونية، فالديمقراطية ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ قداسة ﺍﻻﻓﻜﺎﺭ التقليدية ﻛﺎﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﻌﺮﻕ، ﺑﻞ أصبحت الإنسانية ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻻﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻫﻮ ﺍﻟﻀﺎﻣﻦ لها في تحقيق ﺇﺭﺍﺩﺓ المجتمعات، فأي مجتمع يتقوى ﺑﻀﻌﻒ ﻧﻔﻮﺫ ﺍﻷﺩﻳﺎﻥ فيه، كما ان الديمقراطية ﻭﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ تتحقق  انطلاقا مما خلفته لنا ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﻭﺍﻟﺜﻮﺭات الأروبية ﻣﻦ ﺗﺤﺮﻳﺮ مجتمعاتها ﻣﻦ ﻗﺒﻀﺔ تسيس الدين، برد ﺍﻟﺪﻳﻦ إلى المعبد ،ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ إلى ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ السوسيوسياسية، ومن هذا المنطلق يمكن القول ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ مجتمعات شمال افريقيا ،هي الحل المسكوت عنه، بالرغم من كونها لازالت تعاني من ﻋﺪﺓ ﻓﺮﺿﻴﺎﺕ ﺧﺎﻃﺌﺔ من طرف الساكنة المحلية، نظرا لعدم وضوح الفرق بين الاسلام الصحيح والاسلام السياسي، وانتشار الوصاية الدينية التي تعيق ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻭتحرم ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻭتقمع ﺍﻻﺑﺪﺍﻉ، ومن ينفي هذا عليه الإجابة عن التساؤل التالي: ﻣﺎﻫﻮ ﺩﻭﺭ أمير المؤمنين وحامي حمى الدين بالمغرب ،وﺍﻷﺯﻫﺮ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ،أو ما يسمى بلجنة ﻛﺒﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ، أو ﻭﻻﻳﺔ ﺍﻟﻔﻘﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻳﺮﺍﻥ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﺬﻩ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ ﻛﻬﻨﻮﺗﻴﺔ ﺗﻔﺮﺽ ﺷﺮﻭﻃﻬﺎ ﻋﻠﻰ المواطنين أو ما تسميه في أدبياتها بالرعايا، ﻭﺗﺤﺎﺭﺏ ﻣﻦ ﻳﻌﺎﺭﺿﻬﺎ ﻭﺗﻔﺮﺽ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻻﻳﻤﺎﻥ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻔﺘﺎﻭﻱ ﺍﻟﻤﻠﺰﻣﺔ؟؟؟

لهذا، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﻰ مجتمعاتنا بشمال افريقيا ﻓﺼﻞ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺛﻤﻨﺎ ﻟﻠﺘﻘﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﺼﻮﺭ الديمقراطي، ﻛﻤﺎ ﺃﻗﺼﻰ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﻮﻥ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﻧﺘﺎﺝ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻟﻴﻨﺠﺰﻭﺍ ﺣﻀﺎﺭﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ، فالعلمانية حل ﻣﻦ حلول ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ،أكثر من ذلك هي ﻋﻼﻗﺔ ﻋﻀﻮﻳﺔ ﻻ تفرق ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﻭالديمقرلطية، ﻭﻣﻊ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﻭﺍﻟﺘﺸﺘﺖ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻣﻲ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺩﻭﺭ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﻤﺎ، ﻓﺸﻠﺖ ﻋﻠﻤﻨﺔ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ، ﻭﺳﻘﻄﺖ أغلبيتها ﻓﻲ ﺻﺮﺍﻋﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻟﻢ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯﻫﺎ إلى ﺍﻟﻴﻮﻡ ،ﻷنه في اخر المطاف ﺍﻹﺳﻼﻡ  ﻟﻢ ﻳﻤﺮ ﺑﻌﺪ ﺑﺎﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﺮﺕ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ، وهنا أعني ﺍﻻﺻﻼﺡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﺮﻑ ﺑﺎﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻻﺳﻼﻣﻲ ﺑﻤﺆﺳﺴﺎﺗﻪ ﺑﺄﻥ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺍﻟﺮﻭﺣﻲ ﺗﺎﺭﻛﺎً ﻟﻠﺪﻭﻟﺔ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﻬﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺍﻟﺪﻧﻴﻮﻱ ،وهذا التوضيح لكي لا تمر علينا مغالطة عزيزي القارئ، كما لاﻳﻤﻜﻦ ﺍﻥ ﺗﻘﺒﻞ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ بعلومها المعاصرة ﺍﻥ تبقى ﺃﺳﻴﺮة القيود ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﺍﻟﻼﻣﺴﺎﻭﺍﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﻦ ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻋﻠﻰ أساس تأويلات ﻣﺬﻫﺒﻴﺔ، ذكورية ﻭﻋﺮﻗﻴﺔ..، ﻓﺎﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻟﻦ ﺗﺤﺎﺭﺏ ﺩﻳﻨﻚ صديقي القارئ، ﻭﻟﻦ ﺗﻘﺼﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﻞ ﺳﺘﺠﻌﻠﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﺭﻭﺣﺎﻧﻴﺔ ﻭﺳﺘﻤﻨﻊ ﺍﻟﻤﺘﺎﺟﺮﺓ ﺑﻪ ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ، ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺃﺧﻼﻗﻴﺔ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺗﺮﻓﺎ ﻓﻜﺮﻳﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ مجتمعاتنا، ﺑﻞ ﻭﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻳﻀﺎ ﻟﻠﻌﻴﺶ ﻣﻌﺎ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻜﻮﻧﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻓﻤﻌﻈﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺗﺘﺸﻜﻞ ﻣﻦ ﻓﻀﺎﺀﺍﺕ ﻋﺮﻳﻀﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﺎﻧﺎﺕ ﻭﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ ﻭﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﺍﻟﻤﺘﺤﺎﺭﺑﺔ، ﻓﺈﺫﺍ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺩﻳﻨﺎً ﺃﻭ ﻣﺬﻫﺒﺎً ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻹﺣﺪﻯ ﻓﺌﺎﺕ ﻣﻮﺍﻃﻨﻴﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﺑﺎﻗﻲ ﻣﻮﺍﻃﻨﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺴﺘﺒﻌﺪﻳﻦ ﺳﻴﺸﻌﺮﻭﻥ ﺑﺎﻹﺣﺒﺎﻁ ،ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺍﻟﻌﺪﺍﺋﻴﺔ ﻷﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﻥ ﺍﻟﺘﻌﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﺫﺍﺗﻬﻢ، ﻭﻋﻠﻰ ﻫﻮﻳﺘﻬﻢ ﻭﻣﻮﺍﻃﻨﺘﻬﻢ ﻓﻲ ﺩﻳﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، ﻭﺳﻴﺒﻘﻮﻥ ﺧﺎﺭﺝ إطار ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺆﻣﻦ ﺍﻥ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﻧﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻼﺹ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ والحل المسكوت عنه ﻷﺯﻣﺎﺕ مجتمعاتنا بشمال افريقيا.

*طالب باحث

شاهد أيضاً

مقتل الطالب عبد الرحيم بدري بجامعة ابن زهر..

بقلم: أحمد الدغرني الصراعات الدموية تتكرر في الجامعات المغربية بشكل مستمر. يقل أن تمر سنة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *