إلى المرأة الكردية في اليوم العالمي للمرأة

حيدر عمر

مكانة المرأة في الأمثال و الحِكَم الكردية. (من الطبعة الثانية لكتابي / أدب الفولكلور الكردي) المُعدِّ للطباعة
للمرأة مكانتها في الفولكلور الكردي عامة، و تتحدث عنها الأمثال و الحِكَم، فتمنحها المكانة اللائقة بها، و تمدحها قائلة: ” المرأة عمود البيت “، و حكمة أخرى تقول: ” المرأة نبع الحياة.” إن سموَّ مكانة المرأة في المجتمع الكردي يظهر من خلال عادة متعارف عليها. قد يحدث أن يتقاتل طرفان في قرية واحدة، و تسود بينهما القطيعة و العداوة، فإن نساء كلا الطرفين يتواصلن دون أي تضييق عليهن أو منعهن من التواصل، و حين تتقاتل عشيرتان أو قبيلتان، تقتحم امرأة ما ساحة القتال بشجاعة نادرة، و ترمي منديل رأسها على الأرض بين المتقاتلين، و تصرخ فيهم، فيتوقف القتال مهما كان شديداً و دامياً، و مهما كانت أعداد الضحايا من الطرفين. يتردد صدى هذه العادة السامية في الأمثال الكردية، إذ يقول أحدها: ” تدخل المرأة بين الدماء، فيتوقف القتال.” و يقدر الكردي دور المرأة في المجتمع تقدير اً عالياً، إذ يقول ” المرأة خيمة، و الرجال أعمدتها.”

إذا كانت هذه الأمثال تؤكد مكانة المرأة في المجتمع الكردي، و هي مكانة استرعت انتباه كردولوجيين و باحثين كثيرين منهم مثلاً الرحَّالة توماس بويس في دراسته ” الشعر الشعبي الكردي “، فإن أمثالاً أخرى تُظهر لنا افتخار المجتمع الكردي بشجاعتها، مثلما نجد في هذا المثل ” الأسد أسد، ذكراً كان أم أنثى / لبوة.” بالإضافة إلى القيمة المعنوية و الفكرية لهذا المثل، نجد في صيغته اللغوية الكردية سجعاً شاعرياً محبباً، يزيد من عذوبة وقعه على الأذن، و يمنحه سرعة الحفظ و الانتقال على الألسن، كما أن هذا المثل، يدل بنقاء لغته و مفرداته و خلوه من مفردات اللغات الأخرى، على أنه قيل في مرحلة زمنية سابقة على تواصل الكرد و جيرانهم من العرب و الأتراك.( شيرْ شيرَةْ، چةْ ميَةْ، چةْ نيرَةْ ) “Şêr şêr e, çi mê ye çi nêr”.

ولعل قيمة المرأة و مكانتها تتجليان أوضح ما يكون في المثل القائل ” اليتيم من ماتت أمه، لا من مات أبوه.” و من هنا يمكن القول إن المجتمع الكردي لا ينظر إلى المرأة نظرة دونية، بل يراها شريكة كاملة الشراكة في بناء الأسرة و إدارتها، كما يقول هذا المثل ” المرأة هي الجانب الداخلي لجدارالبيت، و الرجل جانبه الخارجي “، بل يمكن الذهاب أكثر من هذا، إلى أن دور المرأة فيما يتعلق بتنظيم شؤون الأسرة يفوق دور الرجل، ذلك إذا اعتقدنا أن تنظيم شؤون الأسرة يبدأ من الداخل، من داخل البيت، و المثل السابق الذي ذكرناه ” المرأة عمود البيت “، الذي يأتي بصيغة أخرى ” المرأة أساس البيت “، يؤكد هذا الدور، فهي التي تتحمل العبء الأكبر في تربية الأطفال، و تنظيم شؤون الأسرة، و هذا ما يؤكده قول الكرد في هذا المثل أيضاً “بناء الأسرة في أيدي النساء “، و كذلك في مثل آخر ” المرأة هي من تبني الأسرة “، و هذا ما يلقي على عاتقها مسؤولية إدارة البيت و الأسرة. كما أن المجتمع الكردي في إحدى مراحل تطوره كان ينسب المواليد إلى الأم، ثمة مثل يقول ” المواليد للأم، لا للأب “، و في معرض تقدير الأم وانتساب المواليد إليها، يقول الكرد ” الأم هي من هزَّت السرير، و هي من أرضعت “، و يقولون أيضاً ” على أكتاف الأمهات يكبر الأطفال “(، و نحن نجد هذا التقليد، أي انتساب المواليد إلى الأم، سارياً حتى في هذه العصور الحديثة و لو على نطاق ضيق، إذ لا نعدم في الحياة الاجتماعية الكردية، في بعض مناطق كردستان، وجود من يُعرف باسم أمه، فيقال ( فلان بن فلانة ). و في هذا الصدد يقول باسيلي نيكيتين ” مما ينبغي ذكره بهذا الصدد وجود عرف كردي يسمح بأن يُطلق على الولد اسم والدته التي لم يتمكن زوجها من مضاهاتها في جرأتها و إقدامها و قدرتها على القتال.”

و إذا تذكرنا أن علم النفس يؤكد على أهمية مرحلة الطفولة و خطرها في حياة الإنسان، عندئذ ندرك قيمة دور المرأة و تأثيرها في التكوين النفسي للفرد و بناء شخصيته، و بناء الأسرة و المجتمع. و الكرد يؤكدون على دوام تأثير ما يتلقاه المرء في طفولته، فيقولون ” من الرضاعة إلى الكهولة .” و يلحُّ المثل الذي أوردناه سابقاً ” المرأة نبع الحياة “على إبراز هذا الدور و قيمته، حيث نرى من خلاله أن المجتمع الكردي يعلي من شأن المرأة ليس في الأسرة فحسب، بل على مستوى الكون كله، فهي التي تمنح الحياةَ الاستمرارَ من خلال الولادة، و هي المربية الأولى من خلال أمومتها. و لهذا قيل في بيان تأثيرها ” المرأة التي تهز السرير بيمناها، تهز الدنيا بيسراها “.

لا تقف هذه الشراكة التي أشرنا إليها عند الدور التربوي و الاجتماعي للمرأة، بل هي شراكة في الجانب الاقتصادي أيضاً، و قد أشارت الأمثال إلى ذلك بكلمات بسيطة ” الرجل فيضان و المرأة بحيرة.”

يمكن النظر إلى هذا المثل من زاويتين، إحداهما اقتصادية، تذهب إلى أن الرجل يعمل و يكسب، و ينتهي هذا الكسب المادي إلى المرأة التي تدير شؤون البيت، و تنظِّم اقتصاده و نفقاته، على اعتبار أن الرجل في المجتمعات قديماً كان هو الذي يعمل من أجل كسب القوت، و المرأة كانت تدير شؤون البيت، و لا زلت أذكر حين كنت طفلاً، كان أحد جيراننا يعمل و يشقى، بينما كانت زوجته مبذرة تنفق كثيراً، فكانت نسوة القرية يرددن على سمعها هذا المثل الذي لم نكن نفهم مغزاه نحن الأطفال حينذاك. و الزاوية الأخرى اجتماعية نفسية، فالرجل الزوج حين يثور و يغضب، تعمل المرأة الزوجة على امتصاص ثورته و تهدئه.

و قد لاحظ كل من كتب عن الكرد شيئاً هذه المكانة الرفيعة للمرأة في المجتمع الكردي، و منهم على سبيل المثال نبيل زكي إذ قال ” الكردي مشهور باحترامه الشديد للنساء، و معاملته الممتازة للمرأة، فهو يميل إلى الاكتفاء بزوجة واحدة، و لا يتزوج ثانية إلا نادراً، و لا يقيم حريماً، و لا يضيق على زوجته، ويراها تتصف بنفس الصفات و المؤهلات التي يتصف هو بها. و لذلك تتمتع المرأة الكردية بقدر كبير من الحرية، و بسلطة واسعة، فالمرأة الكردية تستقبل الزوار في غياب زوجها، و تتولى الإشراف على استضافتهم، و تتحدث إليهم، و لا تستر وجهها.”

إن ما تمتاز به المرأة الكردية من حرية في مجتمعها و عدم تحجُّبها لفت انتباه جميع الكردولوجيين الذين كتبوا عن الكرد. تنقل المستشرقة الإنكليزية هيني هارالد هانزن عن المستشرق فريزر أنه يقول عن المرأة الكردية: ” إنهن لا يضعن النقاب كالنساء الفارسيات، و أقصى ما يفعلنه هو ربط نهاية المنديل الذي يغطي رؤوسهن تحت ذقونهن.” و تقول نقلاً عن المستشرق سون: ” الحجاب غير معروف تماماً بين الكرد.” و ينقل الدكتور جمال رشيد أحمد عن إحدى الكردولوجيات أنها قالت “بالرغم من أن المرأة الكردية مسلمة، إلا أنها لا تغطي وجهها، و هي حرة في اختيار ملابسها.” و تتقدم المرأة الكردية في هذا الأمر على مثيلاتها من النساء الشرقيات. يقول أحد المستشرقين ” إن النساء الكرديات لا يستعملن الحجاب أو الجلباب أو العباءة، و هن يتمتعن بالحرية الشخصية أكثر من نساء الشعوب الشرقية. “و يقول ادموندس المتخصص البريطاني في الشؤون الكردية: ” إن كل الرحَّالة متفقون على أن المرأة الكردية أكثر استقلالاً من أخواتها العربيات و التركيات و الفارسيات.” و هذا ما جعلها ذات سلطة في الأسرة و في المجتمع أيضاً.

لقد تتبع الباحث روهات آلاكوم هذه السلطة في بحث كامل بعنوان ” سلطة المرأة في الفولكلور الكردي “، و ها هو الحاكم السياسي البريطاني في مدينة السليمانية في عهد الانتداب البريطاني على العراق، الميجر سون يقول: ” إن الكرد يحترمون المرأة، و إن النساء الكرديات لا يضعن الحجاب على وجوههن، و يختلطن أيضاً بالرجال عند عقد الاجتماعات، و لهن الكلمة التي يستمع إليها الرجال.” و هذا الصحفي المصري نبيل زكي يؤكد مكانتها في الأسرة، فيقول ” المرأة الكردية تتولى إدارة المنزل. و عند تناول الطعام، فإن سيدة المنزل هي التي تعطي إشارة البدء، و هي جريئة، و تتمتع بمكانة عالية في المجتمع الكردي، و بسيطرة هائلة داخل الأسرة.” و قد أشار الدكتور جمال رشيد أحمد إلى ذلك إذ قال عنها: ” تتمتع بسلطة واسعة داخل الأسرة، و تتولى إدارة الشؤون المنزلية، و هي التي توزِّع الطعام على أفراد الأسرة، و لا يمكن لأحد أن يبدأ الأكل بدون اذنها.” و ينقل عن أحد الرحالة أنه قال ” النساء الكرديات يشاركن الرجال في التمتع بالموسيقى و الدبكات و ركوب الخيل، و الفتاة تختار عادة بنفسها شريك حياتها…. و على العموم فالكرد يتزوَّجون بواحدة، و الطلاق نادر في بلادهم.” و لكن هذا الرأي قد لا يسري في جميع الأحوال، فالكردي قد يتزوَّج امرأة أخرى، بعد وفاة زوجته، أو حين تكون زوجته عقيمة.

هذه فتاة أرمنية ” بيعت من قِبَل رجال جندرمة أتراك مكلفين بنقلها إلى المنفى، لشاب كردي”، تروي قصتها، فتبين مدى الاحترام الذي تحظى به المرأة في المجتمع الكردي، إذ تقول ” ماذا كنت في الواقع بالنسبة لهذا الكردي؟ أمَةٌ؟ ضيفةٌ؟ لماذا اشتراني؟ إن لدى هذا الإنسان البدائي شعوراً عميقاً بالنبل الفطري. إنه ضنين تجربته و لا يفرط بأدنى جزء منها. لم يكن في بيته نساء، فمن أين هذا الاحترام الذي يكنه للمرأة؟! …… لقد أحببت هذا الرجل، و أخذني من يدي و راح يدور معي بتؤدة حول النار. تلك هي العادة الجارية لهم. فعندما تتزوج فتاة، تودع منزل والديها بهذه الطريقة، و بعد لحظات استدعاني مع مربيتي إلى ساحة المنزل حيث كان قد جمع مائة رأس من الغنم و خمسة جواميس و سرجاً جديداً، و أوقَفَنا هناك، و قال لنا: كان من الواجب علي أن أقدم لوالدك ثمن الزواج ( تقصد المهر )، و لهذا فإني أقدم هذه الأشياء لمربيتك التي رافقتك إلى هنا. كان ينظر إليّ بفرح ظاهر. و بطبيعة الحال لم يكن أحد ما قد أرغمه على القيام بهذا العمل، و لكنه كان يريد أن يُظهر للجميع أنه لا يحتفظ بهذه المرأة الغريبة في خيمته لمتعة رخيصة، و إنما اتخذ مني زوجة شرعية حتى يحترمني الجميع، فشعرت بتأثُّر شديد. و بعد مضيّ أسبوع سمعت أصوات وَقْع أقدام و ثُغاءَ حملان خارج الخيمة. فخرجت لأرى ما يحدث، فأخذ يترقبني، ثم قال: كان يجب أن تعودي إلى أهلك بعد العرس، ليقدموا لك البقر و الفرس و المعزى كما هي العادة، لتصبح مواليدها ملكاً لك. تلك هي تقاليدنا، و أنا لا أريد أن تكوني أفقر من غيرك من النسوة. لذلك فإنني أقدمها لك بنفسي. و مرَّت الأيام، و رُزِقْتُ طفلاً أخذ ينمو بيننا. كان لا يتكلم كلمة كردية واحدة، و كأنه أرمني صغير، و لم يُبدِ والده أيَ تذمُّر من ذلك، و لكنه قال لي ذات يوم: لقِّنيه على الأقل كلمة “بابا “. لم أحقق له رغبته. إن هذه السعادة ما تزال قائمة بيننا منذ زواجنا.”

شاهد أيضاً

جولات ثقافية برحاب تاريخ الريف الشرقي (1973- 2019)

ترمي التجربة التي سأستعرض أهم صورها ونتائجها إلى الإيمان بجعل التنمية الثقافة التاريخية الجهوية خطوة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *