إلى أي حد مكن ترسيم الأمازيغية من تغيير عقليات صناع السياسات العامة والعمومية بالمغرب؟ (الجزء السادس)


رابعا: ما الذي يمنع الحكومة من إقرار السنة الأمازيغية؟

منذ ما يقرب من 20 سنة والفعاليات الأمازيغية والحقوقية تطالب الحكومات المتعاقبة بإقرار السنة الأمازيغية، وخلال هذه السنة فقط قدمت عدة فعاليات من المجتمع المدني عدد من الرسائل لرئيس الحكومة من أجل إقرار رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة مدفوعة الأجر، ونستحضر هنا مطالبة ما يقارب 450 جمعية ومنظمة أمازيغية الدولة بالإقرار الرسمي للتقويم الأمازيغي واعتبار فاتح يناير من هذا التقويم عيدا وطنيا ويوم عطلة مؤدى عنه، وذلك خلال اللقاء الذي نظمته هذه الجمعيات في تارودانت يوم 4 يناير 2020، كما راسلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رئيس الحكومة بتاريخ 6 يناير 2020 حول نفس الموضوع، أما التجمع العالمي الأمازيغي فلم يكتف بمراسلة رئيس الحكومة فقط بل قام رئيسه السيد رشيد رخا بمراسلة الملك أيضا. واستغلت الفرصة أيضا بعض الأحزاب بمطالبتها للحكومة الاستجابة لمطلب إقرار السنة الأمازيغية، وهكذا نجد مثلا حزب التقدم والاشتراكية يطالب الحكومة بالاستجابة للمطلب العارم والمشروع من اجل اعتماد رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا رسميا، وذلك كما جاء في بلاغ المكتب السياسي للحزب المنعقد بتاريخ 14 يناير 2020.

ومن جهة ثانية، لجأت عدد من الفرق البرلمانية إلى طرح أسئلة شفوية على الحكومة بخصوص إقرار السنة الأمازيغية، وهكذا نجد أحد أعضاء فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب السيد مصطفى إبراهيمي يوجه سؤالا شفويا تحت رقم 12457بتاريخ 2 يناير 2020، موضوعه الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، ومما ورد في مضمون السؤال «..ولما دأب المغاربة على الاحتفال مطلع شهر يناير كل سنة ميلادية برأس السنة الأمازيغية التي تعكس مدى ارتباط المغاربة بالأرض والزراعة، فإننا نسائلكم السيد الوزير عن الإجراءات التي اتخذتموها لتثمين الموروث الحضاري والثقافي الأمازيغي باعتباره رأسمال غير مادي مشترك بين جميع المغاربة»، من خلال السؤال يتضح جليا بأن واضعه لم يشر البتة إلى ضرورة إقرار السنة الأمازيغية وإنما أشار فقط إلى ما دأب عليه المغاربة من الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وذلك عكس عبدالله غازي، من فريق التجمع الدستور، الذي وضع سؤالا واضحا ودقيقا متعلقا بإقرار السنة الأمازيغية عيدا وطنيا ببلادنا، هذا السؤال الذي سجل تحت رقم 15984 بتاريخ 23 دجنبر 2019 كان موجها لرئيس الحكومة، وكان موضوع السؤال ينصب على مآل المذكرة التي تقدم بها البرلمانيون بخصوص اقرار السنة الأمازيغية. ومن جهته وجه السيد محمد أبدرار عن فريق الأصالة والمعاصرة سؤالا تحت رقم 15969 بتاريخ 19 دجنبر 2019 في موضوع ترسيم عطلة رأس السنة الأمازيغية، كما وجه محمد بلافريج سؤالا تحت رقم 15884 بتاريخ 17 دجنبر 2019 موضوعه إقرار رأس السنة الأمازيغية يوم عطلة وطنية.

هذه إذن بعض الأمثلة للاسئلة الشفوية التي طرحتها مختلف الفرق البرلمانية بمجلس النواب على الحكومة بخصوص إقرار السنة الأمازيغية، لكن كل هذه التساؤلات لم تجب عنها الحكومة في حينها، حيث نجد في موقع مجلس النواب بخصوص هذه الأسئلة العبارة التالية «تاريخ الجواب: لم يجب». وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد من البرلمانيين قدموا لرئيس الحكومة مذكرة حول إقرار السنة الأمازيغية خلال السنة الفارطة ولم يتوصلوا بأي جواب في الأمر، مع العلم كنا نتمنى من هؤلاء البرلمانيين ممارسة سلطتهم التشريعية التي ينص عليها الدستور عبر طرح مقترح قانون في الموضوع، فهذا الأمر يعطي مشروعية لعمل البرلماني ومن جهة ثانية سيمكن من إبراز مختلف المواقف بخصوص هذا الموضوع وسيجعلنا ندرك فعلا الفرق البرلمانية التي تؤيد إقرار السنة الأمازيغية من تلك التي ترفض ذلك، أما توجيه مذكرات لرئيس الحكومة في الموضوع ففيه استصغار للمؤسسة التشريعية. ومهما كان الأمر، كيف تعاملت الحكومة مع تساؤلات البرلمانيين ومن خلالها مع مطلب فعاليات المجتمع المدني بضرورة إقرار السنة الأمازيغية؟

في البدء نشير إلى أن هناك نوع من الضبابية في موقف الحكومة، ففي الوقت الذي أشار فيه السيد وزير الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم الحكومة، في الندوة التي عقدها عقب الاجتماع السنوي لمجلس الحكومة يوم الخميس 2 يناير 2020 بان «إقرار السنة الأمازيغية عيدا وطنيا عربون احترام هويتنا وتاريخنا»، لكنه أردف بأن «الحكومة لم تناقش المطلب المتعلق بإقرار السنة الأمازيغية عيدا وطنيا»، وأضاف بأن الحكومة ستعلن في القريب عن موقفها من مطلب إقرار السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، وكنا ننتظر بجدية قرار الحكومة بخصوص هذا الموضوع، ليفاجئنا وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان السيد مصطفى الرميد عن حزب العدالة والتنمية، أثناء رده على الفرق النيابية لحزب الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية وفريق التجمع الدستوري، في نهاية جلسة الأسئلة الشفوية ليوم الاثنين 6 يناير 2020، أن «هذا القرار في يد الملك هو محل اهتمام الدولة بكافة مكوناتها»، مضيفا «أنتم تفهمون وتعرفون أن هذا الموضوع ينبغي أن يتولى الإعلان عنه من بيده أمر الإعلان في القضايا الأساسية والمهمة في البلاد»، وما دام السيد الوزير قد عبر بصريح العبارة على أن الأمر يتجاوز الحكومة التي هو عضو فيها، فلماذا أضاف العبارة التالية: «سيتم اتخاذ القرار اللازم في سياق التطورات الايجابية التي يعرفها موضوع الأمازيغية»؟

وقد علق العضو البرلماني السيد ادبعلي عن المجموعة النيابية لحزب التقدم والاشتراكية على ما ورد في كلام السيد وزير الدولة الذي أثار من جديد قضية حرف كتابة الأمازيغية، بما يلي: «إن تصريحات الرميد خلال جلسة الأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة بتاريخ 6 يناير 2020 بشأن كتابة الأمازيغية بالحرف العربي، هو تصريح يرمي إلى إعادة القضية الأمازيغية إلى ما قبل 2003»، وأضاف «ما أصبح يلاحظ اليوم بتزايد الإلحاح على ترسيم السنة الأمازيغية عيدا وطنيا بالمغرب، هو ظهور من لا يزال يحمل شوفينية متعصبة مستوردة ضد التنوع الثقافي بالمغرب»، وكان قد سبق ل ادبعلي أن علق على موقف الحكومة بخصوص مطلب إقرار السنة الأمازيغية بقوله: «إن إصرار الحكومة كل مرة في تعنتها ورفضها تطبيق الدستور، وجعل مطلب ترسيم السنة الأمازيغية عالقا بدون مبرر، رسالة سلبية من الحكومة اتجاه الأمازيغية واستخفافا بالثقافة الأمازيغية وحمايتها»، هذه الضبابية تجعلنا نطرح أكثر من سؤال: هل أمر اقرار السنة الأمازيغية يتجاوز الحكومة فعلا؟ أم أن هذه الحكومة لا ترغب في إقرار السنة الأمازيغية، لذلك فهي تجد نفسها محرجة بقول ذلك علانية؟ هل هناك داخل الحكومة اختلاف في وجهات النظر حول هذا الموضوع؟ هل أمر إقرار السنة الأمازيغية مسألة وقت فقط أم قضية عقلية؟ لماذا لجأ رئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني، بتهنئة المغاربة بالسنة الأمازيغية الجديدة عبر صفحته على الفايسبوك، بالعبارة التالية “ءاسكاس ءامازيغ ءامباركي ءاماينو، ءافلاون ءيسوكت ربي ءافولكي ”ⵙⴳⴳⴰⵙ ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ ⴰⵎⴱⴰⵔⴽⵉ ⴰⵎⴰⵢⵏⵓ 2970
بدل كتابة ذلك في موقع رئاسة الحكومة، وذلك كما فعل السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي إلى تهنئة المغاربة بالأمازيغية برسم دخول السنة الأمازيغية الجديدة 2970؟ لماذا لم يحذو حذوه باقي الوزاراء ؟ كيف أمكن للقنوات التلفزية المغربية تهنئة الشعب المغربي برسم السنة الأمازيغية الجديدة في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومة إقرار هذه السنة رسميا؟ لماذا لم تحرك الحكومة ساكنا تجاه تلك الأصوات النشاز التي تستغل الدين الإسلامي الحنيف للضرب في السنة الأمازيغية؟ هل هناك من داخل الحكومة والبرلمان من يتبنى نفس الأفكار المعادية للسنة الأمازيغية؟ هناك إذن تساؤلات عديدة تتبادر إلى أذهاننا بخصوص موقف الحكومة من السنة الأمازيغية لكننا سنكتفي بهذه العينة.

وعموما فانه، رغم مرور أزيد من ثمانية عشر سنة على الاعتراف الرسمي بالهوية والثقافة واللغة الأمازيغية من قبل أعلى سلطة في البلاد، إي منذ خطاب العرش ل 30 يوليو 2001 الذي ألقاه الملك محمد السادس من مدينة طنجة، ورغم الإقرار الرسمي بالأمازيغية في دستور 2011، ورغم مطالبة فعاليات الحركة الأمازيغية والجمعيات الحقوقية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وبعض الأحزاب، الدولة بإقرار السنة الأمازيغية وجعل اليوم الأول من هذه السنة يوم عطلة مؤدى عنه، ورغم مصادقة المملكة المغربية على جل المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان عموما والحقوق الثقافية بصفة خاصة، ورغم ما تضمنته ديباجة دستور المملكة بجعل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها تسمو على القانون الوطني وملاءمة التشريعات الوطنية تبعا لذلك، ورغم كون المغرب طرف في أهم المعاهدات الدولية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ومصادق على كل الإعلانات والاتفاقيات الصادرة عن هذه المنظمة، ورغم كون المغرب عضو في صندوق تحقيق الهداف الإنمائية للألفية، ورغم اطلاع صناع القرار على تقرير الخبيرة المستقلة في مجال الحقوق الثقافية المعد من قبل الخبيرة فريدة شهيد (المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، القرار رقم 26/20 بتاريخ شتنبر 2011)، والذي تمت الإشارة فيه إلى ما يلي «ويساور الخبيرة المستقلة القلق إزاء وجود عدد من الحواجز التي تعيق استخدام الأمازيغية»، قدمت فيه الخبيرة مجموعة من التوصيات للحكومة المغربية قصد تجاوز الاختلالات المسجلة. رغم كل هذا لم تستطع الحكومة المغربية إقرار أحد مظاهر الثقافة الأمازيغية (السنة الأمازيغية) وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن عقليات صناع السياسات في المغرب لا زالت تعاني من مكابح الماضي ولم تتمكن التحرر منها، وما دام الأمر كذلك فانه يصعب في الوقت الحالي بناء مغرب التنوع مغرب الثقافات مغرب اللغات مغرب يتسع لجميع أبنائه ويضمن كل الحقوق لكل الفئات. (يتبع).

د.عبدالله اكلا
باحث في الفعل العمومي الوطني والترابي.

شاهد أيضاً

مداخلة المؤرخ مصطفى المرون بمعرض الكتاب حول مذكرات كريستيان هويل “مغامراتي المغربية”

نص المداخلة التي تشرفت بقراءتها يوم أمس الأحد 16 فبراير 2020، بمعرض الكتاب في الدار ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *