أخبار عاجلة

“إركام” بعد المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية

محمد فارسي

نواكب هذه الأيام عدة تغييرات على مستوى بعض المؤسسات الوطنية، أهمها تعيين السيدة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان خلفا للسيد اليازمي، وهذا ما يشير إلى أن الموجة ستأتي على جميع المؤسسات الوطنية القائمة منها، أو التي في طور الإعداد كالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية الذي سنرى تشييده في الأيام المقبلة لا محالة.

طبعا، إن المجلس الوطني من خلال اسمه، يعتبر مؤسسة وطنية تسهر على الحفاظ وتطوير اللغات الرسمية بالبلاد، بالإضافة لرسم معالم ثقافة واحدة وموحدة مغربية، أو كما جاء في المادة 2 من الباب الأول من مشروع القانون التنظيمي رقم 04.16 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، فإنه يعتبر مؤسسة دستورية وطنية مرجعية في السياسيات اللغوية والثقافية، وشخص اعتباري من أشخاص القانون العام، يتمتع بالاستقلال المادي والإداري. لهذا فإن العديد من المؤسسات التي تشهد استقلالية في يومنا هذا من خلال تدبير شؤونها، ستضم إلى المجلس الوطني، و هذا ما سيؤدي إلى تقليص صلاحياتها، من بين المؤسسات والهيئات التي ستكون المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية نجد: أكاديمية محمد السادس للغة العربية، المعد الملكي للثقافة الأمازيغية، الهيئة الخاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية المغربية الأخرى، الهيئة الخاصة بالتنمية الثقافية وحفظ التراث، الهيئة الخاصة بتنمية استعمال اللغات الأجنبية. بالإضافة للمؤسسات الوطنية الأخرى التي سيكون لديها ممثليها كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أكاديمية المملكة المغربية، المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية… بالإضافة لممثلين عن الجامعات ومؤسسات التكوين في مجال المهن الفنية.

في هذا الكم من المؤسسات التي ستكون المجلس الوطني، نجد أن هناك مؤسسات سيكون لها ممثلين من داخل هذه المؤسسة الوطنية، و بعضها ستكون جزءا رئيسيا أي بعدما كانت لها استقلالية في تدبير شؤونها، ستنضم إلى المجلس الوطني، كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي سيكون له عضو واحد باعتباره مؤسسة من مؤسسات المجلس الوطني بالرجوع إلى المادة 6 من الباب الثالث من مشروع القانون التنظيمي.

بتصفحنا للوثيقة المنظمة لهذا المشروع نجد بأن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لن يبق مستقلا كما كان، أي سيكون جزءا صغيرا ضمن مؤسسة كبيرة تعتني بمختلف التلاوين اللغوية و الثقافية و حتى الأجنبية منها، و هذا ليس افتراء بقدر ما هو استنتاج استنبطناه من خلال وثيقتين، الأولى الظهير الشريف بإحداث المعهد الملكي، و الثانية التي تنظمها وثيقة مشروع القانون التنظيمي للمجلس الوطني.

المادة 13، الفرع الثاني، من وثيقة مشروع القانون التنظيمي رقم 04.16 المتعلق بالمجلس الوطني للغات و الثقافة الوطنية: تنص على أن يعاد تنظيم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية المحدث بموجب الظهير الشريف رقم 1.01.299 الصادر في 29 من رجب 1422 (17 أكتوبر 2001) وفق أحكام هذا القانون التنظيمي، بالمقابل نجد أن في الظهير الشريف 1.01.299 المنظم للمعهد و بالخصوص في النقطة 10 من بيان الأسباب الموجبة، تقول ( و رغبة في تمكين هذه المؤسسة الملكية للثقافة الأمازيغية من الاضطلاع بمهامها على أكمل وجه، فقد حرصت جلالتنا على تمتيعها بالاستقلال المالي و الإداري)، و هذا ما يبين أن المعهد الملكي سيفقد الاستقلالية المالية و الإدارية ، و كذلك سيعيد تنظيمه.

عندما نضع الوثيقتين و نقوم بمقارنتهما، نلاحظ أن الظهير الشريف المنضم للمعهد قد استغنى عنه بالكامل، باستثناء المادة الثالثة منه التي نسخت وتم وضعها في الاختصاصات التي سيمارسها المعهد في إطار المجلس الوطني للغات و الثقافة الوطنية و هي على الشكل التالي:
تجميع وتدوين مختلف تعابير الثقافة الأمازيغية و الحفاظ عليها و حمايتها و ضمان انتشارها.

القيام ببحوث و دراسات في الثقافة الأمازيغية و جعلها في متناول أكبر عدد من الأشخاص و تشجيع و إشعاع التراث المغربي و خصائصه الحضارية .
دراسة التعابير الخطية الكفيلة لتسهيل تعليم الأمازيغية عن طريق :
إنتاج الأدوات الديداكتيكية اللازمة لتحقيق هذه الغاية و إعداد معاجم عامة و قواميس خاصة.
إعداد خطط عمل بيداغوجية في التعليم العام و في جزء البرامج المتعلقة بالشأن المحلي، و الحياة الجهوية، كل ذلك بانسجام مع السياسة العامة التي تنهجها الدولة في ميدان التربية الوطنية.
الإسهام في إعداد برامج للتكوين المستمر لفائدة الأطر التربوية المكلفة بتدريس الأمازيغية و الموظفين و المستخدمين الذين تقتضي مهنتهم استعمالها و بوجه عام كل ما يرغب في تعلمها .
مساعدات الجامعات على تنظيم المراكز التي تعني بالبحث و التطوير اللغوي للأمازيغية و على تكوين المكونين.
البحث عن المناهج الكفيلة بتعزيز و تشجيع مكانة اللغة الأمازيغية في مجال التواصل و الإعلام.
إقامة علاقات تعاون و شراكة مع الهيئات الوطنية و الأجنبية التي تسعى إلى تحقيق أهداف مماثلة في مجال اختصاصه.

كما قلنا بأنه تم الاستغناء عن مواد الظهير الشريف المنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، باستثناء المادة الثالثة التي تعبر عن أهداف المؤسسة، باستثناء تغيير النقطة التي تنص على مساعدات الجامعات عند اقتضاء الحال إلى مساعدة الجامعات على تنظيم المراكز التي تعني بالبحث والتطوير اللغوي للأمازيغية و على تكوين المتكونين، أي أن هذا التغير يؤكد على مساعدات الجامعات وليس عند اقتضاء الحال.

كل هذا يؤكد الاستغناء عن المعهد الملكي بصفة نهائية، استنادا على المادة 50 من الباب العاشر التي تنص على : يحل المجلس الوطني الملكي للثقافة الأمازيغية في كافة حقوقه وواجباته. لهذا الغرض، تنقل إلى المجلس الوطني، مجانا، العقارات و المنقولات و حقوق الملكية الفكرية المملوكة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما تنقل إليه ملكية الأرشيف و الوثائق و الملفات الموجودة في تاريخ دخول هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ في حوزة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. كما تنقل إلى المجلس الوطني الاعتمادات المالية المفتوحة باسم المعهد في الميزانية العامة للدولة، و الأرصدة المالية الموجودة في حساباته البنكية، في تاريخ دخول هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ.

بعد رصد هذه المعطيات بالاستناد إلى الوثائق التي تنظم كلا المؤسستين، لا يسعنا إلا أن نقول بأن الأمازيغية ستعود لدرجة الصفر، و بما أن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية المعبر مؤسساتيا للأمازيغية، سيخطو إلى الوراء، نظرا لمستجد المجلس الوطني للغات و الثقافة المغربية الذي تسير الدولة في تشييده، و هنا نستحضر القضية الأمازيغية التي ناضلت 25 سنة و التي قدمت تضحيات عدة في سبيل أن تتبوأ الأمازيغية مكانتها الطبيعية و الحقيقية، إلا أنه اليوم يتضح للعيان أنها عادت من حيث ابتدأت، فبعد تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي اعتبر كمكسب لأي أمازيغي مغربي، سنعود إلى غياب الهوية المؤسساتية المستقلة، و في هذا الصدد نطرح بعض الأسئلة، كيف ستكون الأمازيغية في شقها المؤسساتي الأكاديمي بعد أن تدخل بيتا مليء بشتى التلاوين اللغوية و الثقافية؟ و هل صحيح أنها ستفرض نفسها داخل هذا البيت؟
أستاذ اللغة الأمازيغية

شاهد أيضاً

الشعب فوق القانون، لا دستور ولا هم يحزنون..

وهران / الجزائر: مصطفى منيغ الجزائري لا زال على طبيعته كالمعدن الأصيل الصافي تِلْقائِياً النقيِّ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *